يحفل تاريخ مصر بالحركات الاجتماعية، بعضها ولد ضعيفاً، لكنه استوى على سوقه، وتمكن وضرب جذوراً في التربة السياسية، وحفر لنفسه مكاناً في تاريخ البلاد. ولم يتمكن بعضها من مغالبة الضعف والعوز، فتلاشى، واستقر في زاوية النسيان، ليصير مجرد أحداث تذكر، ووقائع تروى.
وعظات يستفاد منها. وليس أدل على ما للحركات الاجتماعية في مصر من دور ومكانة، أن الوفد، الذي أخذ على عاتقه قيادة الحركة الوطنية منذ 1918 وحتى ثورة يوليو بدأ حركة اجتماعية صغيرة مجهدة، لكنه تحول إلى حزب عظيم، حين راح المصريون عن بكرة أبيهم، يجمعون التوقيعات لسعد زغلول ورفاقه، ويلتفون حولهم من أجل الاستقلال والدستور.
وعلى مدار العقود التي خلت شهدت مصر عشرات الحركات في الأوساط العمالية والفلاحية والطلابية، وفي وسط بعض النخب بمختلف ألوانها ومشاربها. وماجت مرحلة ما قبل ثورة يوليو بعشرات الحركات اليسارية، بدءاً من الاشتراكيين الاعتداليين وحتى الماركسيين.
وفي العقود الأخيرة ظهر العديد من الحركات الدينية أو »الجماعات الإسلامية«، بشقيها الدعوي والسياسي، والتي تُعد نوعاً من الحركات الاجتماعية، التي تمتلك مطلقات إيمانية وعقدية، ومرجعية تتجاوز في بعض جوانبها الواقع المادي وتفسيراته.
لكن لم تشهد مصر حالة من السيولة في قيام حركات اجتماعية مثل تلك التي ظهرت في عام 2004 ومطلع 2005، وكلها رفعت شعار »التغيير«، وتقاربت مطالبها إلى حد تطابق بعض البنود.
وسلكت في احتجاجها المتكرر والمستمر أساليب متشابهة، وحاولت، على اختلاف حجمها ومكانتها واتصالها بالجماهير، أن تلقي حجراً في مياه السياسة المصرية الراكدة، وأن تنفخ في أوصال النظام السياسي.
وتعيد المصريين إلى ممارسة فن الاحتجاج المنظم، بعد أن كادوا أن ينسوه في زحام الحياة، حيث السباق الرهيب وراء ما يملأ البطن ويقيم الأود، وحيث الخوف من بطش سلطة تحتمي بمئات الألوف من عساكر الأمن المركزي، وبجهاز بيروقراطي ضخم، وقانون طوارئ، تتيح نصوصه الفضفاضة ملاحقة كل من لا يروق للسلطان مسلكه.
وأولى هذه الحركات وأقواها وأكثرها فاعلية كانت الحركة المصرية من أجل التغيير »كفاية« التي ولدت في لحظة عفوية على يد مجموعة من المثقفين والناشطين السياسيين المحتجين على الأوضاع السائدة في مصر، وأغلبهم ينتمي إلى جيل السبعينات، الذي ينظر إليه على أنه الجيل الذي هضم حقه، أو ظلم، إلا من استثناءات نادرة.
ونجحت الحركة في زمن وجيز في أن تضم بضعة آلاف، ينتمون إلى مختلف الشرائح العمرية، ونظمت تظاهرات متكررة في العديد من شوارع القاهرة وميادينها، وفي محافظات مصرية أخرى، رفعت فيها شعارها، ولونها المميز، وهو الأصفر، وقالت فيها كلمتها.
وقاد ميلاد »كفاية« إلى قيام حركات للتغيير في العديد من النقابات المهنية، مثل الصحافيين والأطباء والمحامين، وفي قطاعات عمرية مثل الشباب »شباب من أجل التغيير« والأطفال »أطفال من أجل التغيير«.
وفي فئات نوعية مثل »أمهات من أجل التغيير«، وكذلك في أوساط العمال، ناهيك عن حركات اجتماعية أخرى مثل »شايفينكو« التي ركزت جهدها في مراقبة العملية الانتخابية.
وحركة حماية حقوق الناخب »حماية«، التي قامت أساساً لمحاربة انضمام المستقلين الفائزين في الانتخابات البرلمانية إلى الأحزاب السياسية، وفي مقدمتها الحزب الوطني الحاكم، باعتبار هذا تدليساً للناخب، وحركة »اتخنقنا« التي تعبر عن رفض كامل للنظام الحاكم.
ويتوقف استمرار »كفاية وأخواتها« وخروجها من حيز »التلقائية« و»العفوية« إلى الفعل السياسي والاجتماعي المنظم على أمور عدة، أولها يتعلق بتوافر قوى »التقدم« و»التماسك«، التي تدفع أي من هذه الحركات إلى السير في اتجاه تحقيق أهدافها.
وتجعل الأعضاء حريصين على البقاء داخل الحركة، في ظل تطابق أهدافهم، ووضوحها، ووجود درجة عالية نسبياً من القبول الجماعي لها، خاصة أن هذه الحركات، سواء العام منها أو المهني والفئوي، تجمع خليطاً ممن ينتمون إلى مختلف الأيديولوجيات والتيارات السياسية المصرية، شعروا في لحظة تاريخية فارقة أنهم في خندق واحد.
ولهم مطالب متشابهة، بل متطابقة، لكن ليس هناك ما يمنع من قيام »تنافر« في المستقبل بين هؤلاء، أو بين الوحدات التي تكون كل حركة من تلك الحركات، إن لم تكن هناك قوة دفع في اتجاه التماسك والاستمرار، وتولد مصالح حقيقية، تجعل وجود الحركة أمراً لا بد منه.
وثاني هذه العوامل هو استمرار الحالة التي تساعد على »التمرد« على الأوضاع السائدة، مثل الاستياء الشعبي الناجم عن الحرمان النسبي، ووجود مجموعة من المسوغات والمعتقدات والتصورات التي يعتنقها الأفراد، وتدفعهم على التكتل من أجل القضاء على هذا الحرمان، والعمل على استيعاب قدرة الأفراد الراغبين في التحرك أو النضال من أجل حياة أفضل.
وليس هناك ما يمنع أن تتحول الحركات الاجتماعية العامة، خاصة كفاية، إلى حزب سياسي، وقد يكون هذا الأمر قائماً في أذهان قادتها، بدليل حرصهم على تقديم برنامج اقتصادي وسياسي.
واعتزامهم تطوير شعاراتهم وأدائهم، دون التخلي عن الاحتجاج السلمي، الذي ميز الحركة عن غيرها، وساعد كثيراً في تجاوز الخطوط الحمراء، التي كانت الحركة الوطنية تقف دونها في السابق، ولا تجرؤ على تخطيها، مثل رفض »التمديد« لرئيس الجمهورية، و»توريث« الحكم.
كما يمكن لبعض هذه الحركات أن تتحول إلى مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني، الذي لا يغني وجوده أبداً ميلاد حركات اجتماعية.
وقد تفضل بعض هذه الحركات البقاء على حالها، مع استمرار الأسباب التي أدت إلى قيامها، وجود رغبة من القائمين عليها في أن تمضي الحركة قدماً في طريقها، تحرث الأرض السياسية اليابسة، وتعبد الطريق أمام الحركة الوطنية، غير الممكنة، لتخوض معركتها من أجل الإصلاح بنجاح.
* مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـــ القاهرة