مرة أخرى تقف الأمم المتحدة أمام امتحان جديد. بالأحرى تحد جديد ونوعي. فهو خلافاً للتحديات التي واجهتها في السابق يطاول بنيتها واستطراداً دورها؛ ليحدث تحولاً جذرياً في وضعها وموقعها؛ ناهيك عن أهميتها ووجودها كضرورة وضمانة للأمن والسلم الدوليين.

في الماضي القريب تعرضت هيبتها للأذى، من خلال تجاوزها والقفز فوقها. الأمر الذي أضر بصدقيتها وفعالية دورها.الآن وفي امتداد هذا التآكل الذي أصابها تواجه المنظمة ضغوطاً هائلة لإعادة صيغة الدور الذي كان سبب وجودها وتوجيه سفينتها، وفق رغبة ومشيئة القوة العظمى الوحيدة. والمؤسف أن ذلك يحصل عن طريق الابتزاز والإملاء.

المنظمة اليوم تقف على حافة أزمة فعلية. مدخلها مالي. لكن جوهرها سياسي بصميم مهمتها. هي تعاني من صعوبات مالية وأمام مشروع موازنتها السنوية؛ المفروض إقراره قبل نهاية العام الحالي.

إدارة الرئيس بوش تمانع الإقرار. تطرح كبديل اعتماد وموازنة «انتقالية» لمدة 3 أو 4 أشهر فقط؛ وتربط موافقتها على ميزانية عامة ـ تكون عادة لمدة سنين بمقدار حوالي 9 مليارات دولار ـ، بإحداث إصلاحات جذرية في الإدارة وبعض المجالس المتخصصة التابعة للأمم المتحدة.

لا غضاضة في ذلك؛ من حيث المبدأ. فثمة اعتراف واسع بأن المنظمة تشكو من تضخم في جهازها ومن فساد في أدائها. وبرنامج «النفط مقابل الغذاء» العراقي كان آخر النماذج الفاسدة. لكن لابد وأن يأتي الإصلاح بالتوافق. على سبيل المثال، تطالب واشنطن بإنشاء مجلس جديد لحقوق الإنسان، يحرم الدول التي تنتهك الحقوق هذه من العضوية في المنظمة الدولية.

في الظاهر المطلب شريف ووجيه. لكن من يحدد المعايير، خاصة في تعريف «الإرهاب» مثلاً وتمييزه عن المقاومة المشروعة؟ هل يكون ذلك وفقاً للتصنيفات الأميركية ـ المتطابقة مع الإسرائيلية ؟

الأزمة خطيرة. وخطورتها تكمن في محاولة مصادرة الأمم المتحدة.الأمين العام كوفي عنان يلغي جولة له في آسيا ويقرر البقاء في نيويورك لمعالجة القضية. وحتى أوروبا واليابان لم تخفيا انزعاجهما من محاولة واشنطن فرض الإملاءات عبر موضوع الموازنة ـ واشنطن تتحمل 25% منها .

الأمم المتحدة ليست هيئة كاملة صافية أو نقية. هي مرآة الوضع الدولي. قامت على التوافق، الذي حكم مسيرتها. هو توافق يعكس توازن القوى. والعالم هو أحوج ما يكون اليوم إلى صمام الأمان، الذي تمثله هي. وبحاجة أكبر إلى تعزيز هذا الدور وليس إلى ممارسة الاستفزاز للقضاء عليه.