قبل غزو العراق، وضعت أمريكا أهدافاً لتقطيع بعض المناطق العربية وإلحاقها بأخرى أو إيصال مواقع حساسة، وربطها بمركز عراقي قوي، وخاصة منابع النفط والطرق الحيوية، إلا أن ما بعد الغزو ونشوة الانتصار، والرفض من قبل الشعب العراقي للاحتلال، ومن ثم المقاومة، ونمو عناصر الإرهاب، غيرت تلك المفاهيم، لأن واقعاً حدث قلب تلك النظريات، ومحاولة التلاعب بجغرافيا المنطقة من أجل مصالح فهمها المخطط الأمريكي أنها سهلة تعطي له قوة الهيمنة على أهم مواقع النفط بالعالم..
في ظل تلك المخططات، لتتمة أو إكمال نظام أمني واستراتيجي أمريكي مهيمن، جاءت - كالعادة - حملة إعلامية شرسة على الإرهاب والدول التي نبت فيها، أو تأويه، وجاءت الغايات نتيجة تفكير فصيل من المحافظين الجدد، غذته شراهة الجوع للنفط، وإحكام السيطرة على منطقة لا بد أن تكون إسرائيل عقلها ورأسها في أي مسار، أو مخطط طويل للمستقبل..
المملكة التي تعرضت لأخطر هجوم سياسي، وصل إلى حد العنصرية، والمطالبة بقصف الحرمين الشريفين، بعد أحداث 11 سبتمبر، قد أدركت مدى خطأ تقويم أمريكا وسياساتها بالمنطقة، ولذلك حاولت احتواء رد الفعل باللجوء إلى المنطق والحوار الجاد، وان تعريف الإرهاب يحتاج إلى فهم طبيعة وضع المنطقة، بدءاً من خروج الاستعمار، والحروب مع إسرائيل، وفشل السياسات الراديكالية اليسارية، وانتهاءً بأزمة الهوية التي سادت مرحلة فشل الأحزاب والأيديولوجيات..
أميركا عادت وأدركت أن المملكة أهم دولة تتعامل معها بالمنطقة، وأن الاعتماد على أفكار أخذت شكل العداء المطلق، وحتى التبشير بعدم عودة العلاقات الثنائية إلى مجراها الصحيح، جاءت من صدامها بالواقع العراقي، وتنامي الإرهاب والعداء لها من مختلف شعوب العالم، ولأن المنطقة تعد الأهم باستراتيجيتها الطويلة، عملت على بعث رسائل من صحفيين لم يكونوا محايدين بنقل أفكارهم، وأعضاء من الكونجرس، وهم الأكثر تشدداً في رسم خطوط مفتوحة مع المملكة، وكذلك الأكاديميون ورجال أعمال، وقد بادلتهم المملكة بنفس الحماس بإرسال اختصاصيين ورجال أعمال، ورسميين وغيرهم، بغية تغطية الفجوة التي حدثت خلال السنوات القريبة الماضية..
الحركة تتجدد، وربما تستمر، والخطوات - وإن ظلت بطيئة ومتأرجحة - إلا أنها الطريق السليم لكشف مختلف التناقضات بين البلدين، حتى نصل إلى نقاط مشتركة على ضوئها تتم إضاءة ذلك الطريق..