لا شك في أن الخطاب الأخير الذي ألقاه الرئيس الأمريكي جورج بوش بشأن الأوضاع في العراق قد أكد المدي الواسع للتخبط الذي تعاني منه السياسة الأمريكية تجاهها. فحسب جميع المراقبين الأمريكيين والغربيين, فقد فشل الرئيس الأمريكي في خطابه في تحديد أي استراتيجية واضحة للخروج من العراق, كما فشل في إقناع الرأي العام الأمريكي بأن بلاده تحقق انتصارات متتابعة هناك وأنها في طريقها لتحقيق النصر النهائي.
وقد أكدت استطلاعات الرأي العام ـ التي أجريت في الولايات المتحدة تعقيبا علي ذلك الخطاب ـ تشكك أغلبية الأمريكيين فيما قاله الرئيس بوش واعتقادهم أن بلادهم باتت متورطة في العراق مثلما حدث لها من قبل في فيتنام خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي, وأنهم لا يرون وجود أي استراتيجية أمريكية واضحة للانسحاب من هذه الورطة. كذلك فقد أوضحت نفس تلك الاستطلاعات أن غالبية الأمريكيين باتوا مقتنعين, علي خلاف ما ذكره رئيسهم ومعاونوه, بأن الولايات المتحدة أصبحت عرضة للأعمال الإرهابية أكثر من ذي قبل وليس العكس, وذلك بتأثير الأوضاع في العراق.
إذن فقد باتت الأوضاع في العراق هي الهم الأول لكل من الإدارة الأمريكية والرأي العام الأمريكي علي حد سواء وإن نظر إليها كل من الطرفين بصورة تناقض ما يراه الآخر. ويبدو أن الحل الوحيد في ظل ذلك التناقض الآخذ في التصاعد هو أن تسعي الإدارة الأمريكية إلي اتخاذ قرارات جذرية شجاعة تتفق مع القانون الدولي ومقررات الشرعية الدولية, فتعلن جدولا زمنيا واضحا لانسحاب قواتها من العراق, وأن تلجأ للأمم المتحدة وللجامعة العربية وغيرهما من المنظمات الإقليمية لكي تلعب دورا مباشرا في تأمين المرحلة الانتقالية نحو عودة السيادة الكاملة للشعب العراقي علي أرضه وعلي مختلف شئونه.