يلتقي بعد أيام في مكة المكرمة قادة الدول الإسلامية في قمة استثنائية لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وذلك لدراسة واقع الأمة الإسلامية وصياغة تصور للمستقبل، يمكنها من التعامل برؤية موحدة مع المتغيرات العالمية، ومن مواجهة التحديات والمخاطر التي تحيط بها كأمة متماسكة، وبما يعزز من سلامة المجتمعات الإسلامية، ويدفع مسيرة التضامن الإسلامي إلى آفاق جديدة.
وكان خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز قد وجه الدعوة لهذه القمة في الدورة العادية العاشرة لمنظمة المؤتمر الإسلامي في العاصمة الماليزية »كوالالمبور« في العام 2003.
والتي عقدت برئاسة الزعيم الماليزي »مهاتير محمد« بعد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، وبحثت المحاولات السائدة في ذلك الوقت للربط بين الإسلام والإرهاب.
وجاءت الدعوة السعودية لعقد قمة استثنائية بهدف الدراسة المعمقة في هذا الموضوع. والجدير بالذكر أن العالم مازال منقسماً حول تحديد تعريف واضح للإرهاب لا يلتبس مع ما نصت عليه المواثيق الدولية من إقرار حق الشعوب في مقاومة الاحتلال بجميع الوسائل.
خصوصاً مع كون المناطق الوحيدة المحتلة في العالم اليوم ليست سوى بلاد إسلامية، سواء في فلسطين أو في العراق أو أفغانستان أو كشمير.
ومن وجهة نظر العالم الإسلامي تبقى المقاومة المشروعة هى ما يوجه من عمليات ضد قوات المحتلين، والإرهاب المدان هو ما يوجه من اعتداءات ضد الأبرياء المسالمين، بينما يحاول العالم الغربي التسوية بين الإرهاب والمقاومة من ناحية.
وببن الإرهاب والإسلام من ناحية أخرى، وتأتي هذه القمة لبحث وضع نهاية حاسمة لهذا الخلط المتعمد، وتأكيد الموقف الإسلامي الكاشف لهذا التضليل، وذلك انطلاقاً من أن الإرهاب لا علاج له إلا بالقضاء على أسبابه، وان الإرهاب لا جنسية له ولا دين.
وأن الإسلام بالتحديد لا يمكن أن يرتبط بالإرهاب لأنه يحرم على المسلمين العدوان ويحرم القتل كما يحرم ترويع الآمنين، بل يعتبر أن »من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً«. والإسلام بهذا دين سلام ومحبة وأمان، وما نزلت رسالته من السماء إلى الأرض في »مكة« إلا رحمة للعالمين.
وإذ تنعقد هذه القمة في بقعة من أقدس بقاع الأرض لدى ما يزيد على المليار وربع المليار من المسلمين الذين ينتشرون على امتداد قارات العالم الخمس، والذين يعترف لهم بإسهامهم الحضاري في تاريخ الحضارة الإنسانية.
والذين كانت عواصمهم الزاهرة في دمشق وبغداد والقاهرة منارات علوم وحضارة في العصور الوسطى، في الوقت الذي كانت هذه الفترة من تاريخ أوروبا تسمى عصور الظلام.
ولأن »مكة المكرمة« التي تحتضن الحرم المكي الشريف وفيه »الكعبة المشرفة« قبلة المسلمين الذين يتجهون إليها في صلواتهم من كل أنحاء الدنيا خمس مرات كل يوم.
هي التي تحتضن هذه القمة الإسلامية، فإن ذلك بلاشك سيضاعف من مسؤولية هذه القمة التي عليها الارتفاع إلى مستوى كرامة المكان في مواجهة تحديات الزمان، لتكون على مستوى تطلعات الشعوب الإسلامية فيما عليها أن تخرج به من نتائج تتحدى اليأس وتسعى للتغلب عليه، وتبشر بالأمل وتسعى للوصول إليه.
ومن »كوالالمبور« إلى »مكة الكرمة« تتسع القضايا التي تشغل العالم الإسلامي، وتتطلب قرارات لمعالجتها، والتحديات التي على القادة وضع تصورات للتعامل معها، لتأتى في مقدمتها قضايا تخليص الشعوب الإسلامية من قبضة الاحتلال الصهيوني في فلسطين.
والعمل على حماية الأقصى المبارك من محاولات التهديد، والقدس الشريف من مخاطر التهويد، وكذلك الاحتلال الأنجلو الأميركي في العراق والسعي لإنقاذ الشعب العراقي الشقيق من مخاطر الفتنة، والحفاظ على وحدته الإقليمية من مخاطر التقسيم.
كما ينتظر من القادة المسلمين التصدى بحزم للتهديدات التي تستهدف سوريا، والتي تحيط بالسودان. ولا بديل عن موقف واضح في وجه أي محاولة لفرض عقوبات ظالمة على سوريا، ولابد من موقف داعم لرفع العقوبات المتعسفة عن السودان.
كذلك مطلوب وضع مشروع حل جدي لقضايا التمرد في دارفور والتقسيم في الصومال والنزاع حول كشمير، والقتال في الشيشان والمجاعة في النيجر.
وإذا كان الملك عبدالله هو صاحب فكرة »لجنة السلام« في قمة كوالالمبور لحل المنازعات والمشاكل العالقة بين الدول الإسلامية، فلابد من تفعيلها ودعم دورها لتنقية الأجواء وإزالة أسباب الفرقة بين الأشقاء بما لا يفتح الباب للتدخلات الأجنبية التي تسعى لاستمرار هذه الخلافات، وهناك العديد من الخلافات المصطنعة التي يلزم من اللجنة مباشرة تصفيتها.
وهنا لابد من الإشادة ببعض المبادرات الإيجابية التي قامت بها بعض الدول الإسلامية خارج إطار هذه اللجنة مثل المبادرة السودانية الأخيرة سعياً للتفاهم وإزالة الأشواك والشكوك بين سوريا ولبنان لصالح الشعب الواحد في البلدين.
وتبدو الحاجة ضرورية ومنطقية لأن تبدأ القمة بتحرك اللجنة للمصالحة بين الأشقاء من القادة أنفسهم كمقدمة ضرورية لترجمة القيم الإسلامية ومدخل لابد منه لتعزيز القدرة الإسلامية على مواجهة التحديات الخارجية.
بعد ذلك أمام القمة وضع تصور مشترك لإصلاح النظام الدولي، لتعزيز دور الأمم المتحدة على لعب دورها في نشر السلام والعدالة الدولية بعيداً عن هيمنة الدول الكبرى.
ولن يتأتى ذلك إلا باتجاه الديمقراطية العالمية بزيادة صلاحيات الجمعية العامة التي هي البرلمان الحقيقي لشعوب العالم بعيداً عن سطوة الأقلية الدولية في مجلس الأمن.
وهنا نشير إلى أن حضور روسيا لهذه القمة بصفة مراقب يمكن أن يكون مجالاً لدراسة منح روسيا العضوية الكاملة في منظمة المؤتمر الإسلامي بما يمكن منظمة المؤتمر الإسلامي من إيجاد حل عادل ومتوازن للصراع في الشيشان، وبما يمنح العالم الإسلامي مقعداً دائماً في مجلس الأمن باعتبار روسيا أحد الأعضاء الخمسة الدائمين بمجلس الأمن الدولي.
إن أجندة القمة لابد أن تبحث المزيد من القضايا والموضوعات الملحة مثل تعزيز الحوار بين الحضارات، ووضع قواعد واضحة لعلاقة الأقليات المسلمة في المجتمعات غير الإسلامية.
والأقليات غير الإسلامية في المجتمعات الإسلامية، وبلورة صيغة للوحدة الإسلامية تبدأ بالعمل على مشروع السوق الإسلامية المشتركة من خلال منطقة إسلامية للتجارة الحرة .
ودعم قدرات البنك الإسلامي للتنمية بما يمكنه من تمويل مشروعات جادة للتنمية في البلدان الإسلامية التي تتزايد فيها معدلات البطالة وتزيد فيها أعباء الديون، وتعزيز خطوات التكامل الاقتصادى الإقليمى، وزيادة حجم الاستثمارات بخطوات جادة بالأموال الإسلامية في الدول الإسلامية.
كذلك لابد من تشكيل محكمة عدل إسلامية، ولجنة حكماء دائمة لحل كل ما ينشأ من منازعات بين الدول الإسلامية حتى لانفتح الباب للتدخلات الدولية، و لابد أيضا من تدعيم لقاءات الحوار الإسلامي ـــ الإسلامي للتقريب بين المذاهب في إطار مجمع الفقه الإسلامي في ماليزيا.
وأخيراً وليس آخراً لابد من إصدار إعلان إسلامي لحقوق الإنسان، والعمل على تطوير الحياة السياسية بتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في صنع القرارالوطني إعمالاً لمبدأ الشورى بآلياته الديمقرطية المختلفة.
لنقوي دعائم مجتمعاتنا ولنقدم للعالم ترجمة صحيحة للقيم الإسلامية البناءة التي هي أبلغ دعوة إلى البشرية جمعاء بالتعاون الإنساني الإيجابي لبناء عالم خال من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان ويسوده الحق والعدل والسلام.
كاتب وباحث سياسي