أحدث فوز عمير بيريتس بزعامة حزب العمل الإسرائيلي صدمة لا تزال تتفاعل في إسرائيل. لكن موجات الصدمة تصل ضعيفة للغاية إلى ما وراء حدود فلسطين.

في 13 نوفمبر الماضي، يكتب جدعون ليفي معلقاً على فوز عمير بيريتس بزعامة حزب العمل:

»قد يكون المدني الحقيقي الأول منذ سنوات طويلة الذي يصل إلى رئاسة الوزراء من دون رتبة عسكرية عليا أو ماض ذي هالة أمنية، لا عمل سرياً ولا فرقة خاصة ولا حتى مفاعل نووياً، بيرتس يشكل تهديدا على ذوي النظرة الأمنية العسكرية، انتخابه قد يُبشر بانقلاب لا يمكن المبالغة بأهميته«.

(بيريتس يواجه ثلاثة مراكز قوى في طريقه- القدس العربي مترجما عن هآرتس، 14 نوفمبر).وهو إلى هذا يبدو شديد الحماس لزعيم العمل الجديد عندما يطلق صرخة للفكاك من اسر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية:

»الأمنيون الذين يُملون علينا جزءا كبيرا من حياتنا في دولة الشاباك التي ازدهرت هنا وتنامت ـ قد يفقدون الكثير من قوتهم في فترة حكمه«.

أما يوئيل ماركوس فيذهب إلى مدى ابعد في التفاؤل بالزعيم الجديد عندما يعلن ان »الأرض ناضجة لإحداث انقلاب داخلي عميق«. المزيد من العدالة والمساواة والمزيد من الخطوات نحو السلام. (يوئيل ماركوس ـ ادخل الفلفل إلى حياتنا، هآرتس 15 نوفمبر).

يكتب نحميا شترسلر في هآرتس أيضا »انه عندما تحدث هزة أرضية في حزب العمل ويصل إلى رأس الحزب رجل من أصول شرقية فهذا يعني ان الليكود لا يستطيع البقاء في الخلف، أي ان عليه ان يضع مرشحا تونسيا مقابل مغربي«.

(نحميا شترسلر ـ نهاية عهد الاشكناز ـ »المستقبل« مترجما عن هآرتس 25 نوفمبر).

قد يداخلنا شعور بان ما نقرأه عن زعيم حزب العمل الجديد نوع من الترويج أو الدعاية .

وهو أمر تكرر مع زعيم الحزب الأسبق عميرام ميتسناع الذي وصل إلى زعامة الحزب تحف به تصريحات ومواقف معلنة جريئة عن دعمه لحل الدولتين. ومع إيهود باراك أيضاً الذي كانت تظلله عبارات من نوع: »السلام يصنعه المحاربون«.

لكن عمير بيريتس يبدو انقلابا داخليا إسرائيلياً خالصا. الأمر يشبه انتفاضة سياسية ـ اجتماعية، وحسب عكيفا الدار فانه »بعد اغتيال رابين بعشر سنوات، يبرز من صفوف القيادة السياسية في إسرائيل شخص يرى في الاحتلال عبئاً أخلاقياً وأمنياً واقتصادياً ولا يحتاج للضغوط الداخلية والخارجية حتى يرحل عن المناطق الفلسطينية«. (عكيفا الدار، ثمة شريك – »المستقبل« مترجما من هآرتس، 23 نوفمبر).

لكن أصداء هذا الانقلاب تبدو ضعيفة جدا خارج حدود فلسطين. عدا ردود فعل وتعليقات قليلة من كتاب وصحافيين لبنانيين أو فلسطينيين، لا يمكن لمس ردود فعل عربية تعاملت مع هذا الانقلاب بحساسية عالية مثلما كان عليه الأمر قبل بضع سنوات.

في 19 نوفمبر يكتب محمود الريماوي في صحيفة »الرأي« الأردنية ان »فوز هذا الشاب يدلل عن ان الاتجاهات المتطرفة والعنصرية والانتهازية ليست هي الاتجاهات الوحيدة السائدة في المجتمع الإسرائيلي كما يوحي بذلك شارون وبعض المتحمسين«.

اهتمام صحافة الأردن وفلسطين ولبنان وحتى مصر جاء دون إفاضة. وهي إلى هذا تستحوذ عليها اهتمامات من نوع آخر تماما مثل باقي صحف البلدان العربية الأخرى في الخليج أو المغرب. بؤر توتر جديدة مرهقة وأخرى يتم تهيئتها للانفجار: العراق، سوريا.

ما يجمع العراق وسوريا ليس حزبا حاكما واحدا كان يحكم ذات يوم في بغداد ومحاصر بالضغوط اليوم في دمشق، بل مفردة جذابة أخرى أصبحت تستحوذ على جدول الأعمال: »الإصلاح«.

عجلة الإصلاح كانت صدئة للغاية قبل سنوات قليلة، وها هي واشنطن تضخ فيها زيت التشحيم وتعطيها قوة الدفع.

الإصلاح المعطل الذي كنا نأمل ان يأتي نتيجة عملية نمو ذاتي داخل المجتمعات العربية نفسها، أصبح على رأس جدول الأعمال الأميركي في هذه المنطقة. الكل مشغول بالإصلاح، لكن الإصلاح مثل أي عقار آخر له أعراض جانبية للأسف.

الأعراض الجانبية غير ملحوظة أحياناً. ولعل هذا لا يفسر فقط فقدان الحساسية في التعاطي مع انقلاب بيرتس، بل ضعف الصلات مع الفلسطينيين أيضاً. ووسط هذا تغيب حقيقة لا يلتفت إليها احد منذ عام 1995.

فمنذ ذلك العام وحتى اليوم، لم يكمل أي رئيس حكومة إسرائيلي دورته الانتخابية منذ اغتيال اسحق رابين. ارييل شارون هو الرابع منذ تسلم شمعون بيريس رئاسة الحكومة ثم بنيامين نتانياهو وايهود باراك.

السبب لا يعود إلى الفضائح بل إلى استحقاقات السلام المؤجلة التي جعلت الإسرائيليين يفقدون البوصلة خلال السنوات الماضية ما بين النكوص (التصويت لنتانياهو وشارون) وما بين الاستعداد لتقديم استحقاقات صعبة (التصويت لرابين وباراك).

لكن هذا العبء يبدو وقد خف قليلا، وحدهم المصريون الذين يبدون جدية أكثر من بقية العرب وباتوا منغمسين إلى ابعد الحدود في تفاصيل لا حصر لها.

وبالنهاية يبدو انشغالنا بالإصلاح وقد اضعف صلتنا وحساسيتنا بكل ما يجري هناك، في تلك الأرض المسماة فلسطين.

في مارس وابريل من العام 2002، كانت ردود الفعل العربية حيال ما يجري في فلسطين مختلفة تماما. لقد عمت التظاهرات شوارع المدن العربية احتجاجا على اجتياح الضفة الغربية.

لكن، لنتذكر فقط ان هذا كان قبل الحرب على العراق. ومنذ سقوط نظامه السابق، لم تستحوذ الأوضاع في فلسطين على أي اهتمام ولم تجد لها أي صدى يذكر. فالمسلخ العراقي والمخاوف من حرب طائفية باتت تستنزف الاهتمام والطاقة على التفكير.

حقا، فعندما يكون الإصلاح اقرب لمعركة بقاء بالنسبة لبعض النخب الحاكمة، ويتحول إلى مقابل للاحتراب الأهلي في غير بلد عربي لن يكون بالإمكان التفكير في مساعدة الفلسطينيين. النتيجة الحتمية لهذا ان الضغط قد خف كثيرا عن الإسرائيليين إلى الحد الذي لا يشعر فيه احد بأزمتهم المستحكمة منذ 1993.

* كاتب بحريني