إن من أصعب الأمور، أن يتناول الكاتب موضوعاً يتحدث فيه عشرات الأفراد، وربما أكثر من ذلك، حين ذاك لا بد له من التفكير بصورة مختلفة عما هو متداول، إن الإنسان يبحث دائماً عن التميز، وربما دفع ذلك، الكثير من البشر، لإيجاد موقع قدم في عالم تتزاحم فيه الأفكار.
إن العقلية الإنسانية هي من اعقد الأمور، التي يمكن التعامل بها، ومن المعلوم أن الأهداف والوسائل تختلف من شخص إلى آخر، وهذا عائد بالأساس إلى الأهداف والاستراتيجية التي يسعى إليها الإنسان.
فقد تكون ذات طابع ذاتي أو موضوعي. وهنا قد تختلف الوسائل والآليات، فإن كان الدافع إلى الكتابة أو المنافسة بعداً ذاتياً، عندها لا تخرج عن نطاق لبس الأقنعة حسب المناسبة.
وحسب رغبة الجهات المهتمة بذلك، أما إذا كان الهدف هو المصلحة العامة والموضوعية، حين ذاك لا توجد أقنعة أو حتى مجال لاستخدام الأساليب الملتوية، وفي هذه الحالة يكون هنالك توافق بين الذات والمصلحة العامة.
كان لابد لهذه المقدمة، حينما يكون الحديث عن الوطن والمستقبل، عن مصير أمة وشعب، ودولة تحتفل بعيدها الرابع والثلاثين، فلم تعد الإمارات صبية صغيرة، يحاول الجميع أن يراعيها.
ويحفظها ويجنبها السير في الطريق الخطأ، ولا هي تلك الفتاة المراهقة، التي ربما ترتكب الأخطاء، فقد تخطت مرحلة الطفولة، ونعومة أظافرها، وتعدت مرحلة المراهقة السياسية، بما تعنيه من خطورة المراهقة، فقد أصبحت فتاة ناضجة داخلة في مرحلة جديدة، تتطلب التعامل معها بشكل آخر، وإلى حد كبير بالمنطق العقلاني الواعي والمدرك.
إن هنالك ديناً تأريخياً على الجيل الجديد، أن يؤديه إلى المؤسسين الأوائل سواء من القيادات السياسية أو الإداريين وغيرهم، ممن ساهم في ترسيخ مبدأ الوحدة، بدلاً من التشرذم والفرقة، بين مرحلة ما قبل الدولة، ومرحلة الدولة بمفهومها الحديث.
والانتقال من مرحلة الرعايا إلى مرحلة المواطنة. كانت الأخطار محدقة، من كل صوب، بهذا النموذج الجديد، من الوحدة، ذاك النموذج الذي يشكل في العقلية العربية الحلم بالوحدة.
ولم يكن من المتصور أن يستمر ذلك طوال هذه الفترة في منطقة بعيدة عن صنع القرار العربي، إلا أن الإرادة الصلبة لمن ذاق مرارة التشتت، والفرقة، كانت أقوى، بل كانت قادرة على ركوب موجات التحدي لخلق جيل جديد، يؤمن بأن الوحدة هي المصير.
وأن العودة إلى الماضي هي الهلاك.لا شك أن المرحلة السابقة هي الانطلاقة، إلا أن المستقبل، يمتلك رؤية جديدة، وربما قيادات جديدة، في كل المجالات.
ربما يكون من حسن الصدف، أن مجتمع الإمارات، كان ولا يزال من المجتمعات التي تواكب كل المستجدات، وخاصة في مجال التقدم التكنولوجي، والانفتاح على العالم الخارجي، لذلك فقد كان يمثل نموذجاً للتفاعل بين الأصالة والمعاصرة، بين استخدام التقنية المتقدمة، ومحاولة الحفاظ على التراث.
إلا أن مواكبة التحديث والتجديد، ظلت الهاجس المشترك بين القيادة السياسية والكوادر البيروقراطية، بين المجتمع المحافظ وذاك الذي يعيش مرحلة ما بعد الحداثة.
إن بروز قيادات سياسية شابة في مجتمع يؤمن في أنك لا تعبر النهر مرتين!! هو محك لإيمان المجتمع، ان لكل مرحلة من مراحل تطور المجتمع، آليات مختلفة عن المرحلة السابقة.
إن من يخاف التجديد، هو ذاك الذي يخشى أن يفقد مصالحه الذاتية، وإن من يؤمن بأن الحياة هي البحث عن الجديد والتجديد، هو عنصر استمرار الحياة.
من المعلوم، أن الإنسان، يقدم كل ما عنده في المجالات المختلفة في مرحلة الشباب، وبعد ذلك يصبح عطاؤه تكراراً لما سبق.
ومن هنا فإن التجديد، والتغير هو السمة السائدة للأمم الحية، والشعوب التي تريد أن يكون لها موضع قدم وإسهام في استمرار الحياة، أما تلك التي تقاوم طبيعة التغيير، فهي كمن يحفر القبر قبل الأوان.
إن احتفالات دولة الإمارات العربية المتحدة، بعيدها الرابع والثلاثين، يجب أن يحمل دلالات ذات أهمية بالنسبة للإمارات حاضرها ومستقبلها ولعل من أهم تلك الدلالات، أن يترجل البعض عن مناصب قيادية.
في مجالات العمل العام، سواء بعض من القيادات الإدارية أو التنفيذية، سواء في المجال الاتحادي أو المحلي، للجيل الجديد من أبناء الإمارات، فلم يعد من المعقول أن يظل على رأس العمل، أو المؤسسة، أو غيرها، إنسان أمضى أكثر من عشرين سنة.
ولا يترك المجال للجيل الجديد، ذي الأفكار الجديدة، والخطط الجديدة، بل ربما يحمل أفكاراً، هي نتاج للتطور في العالم، ويتناسب مع عقلية القرن الجديد، ومرحلة الألفية الجديدة.
إن القيادات السياسية الطامحة في التغير، في الإمارات، بحاجة إلى كوادر جديدة،تمتلك رؤية جديدة، سواء في الاقتصاد أو السياسة أو الاجتماع، بحاجة إلى كوادر تحمل مؤهلات علمية وتقنية.
إن التحدي الذي يواجه، مجتمع الإمارات، يحتاج إلى آلية جديدة، وإلى عقلية جديدة، تواكب عالماًَ جديداً، مع التأكيد على أن الإنسان المؤهل، هو المهم في استمرار المسيرة.
وأن الاوان قد آن، لأن يحتل الإنسان المناسب الموقع المناسب، وأن الوقت والتحديات لا تسمح بالعودة إلى آليات سابقة كانت سائدة في مرحلة ما قبل العولمة، ان العالم لم يعد يسمح بما دون التمسك بمعايير الجودة والشفافية، إنه عالم جديد.
ومتطلبات جديدة، عالم لا يرحم أولئك الذين لا يزالون يعيشون في أجواء القرن التاسع عشر. بل وبعضهم مازال يحمل أفكاراً تؤول إلى عصر الانحطاط حيث انحط الفكر وتلاشت الحريات.
من المؤكد أن مجتمع الإمارات، لم يعد مجتمع القرن الماضي، وان التغيرات التي ينتظرها، أبناء الوطن، هي تغيرات جوهرية. إن تحريك البيادق في رقعة الشطرنج، لم تعد صالحة في عصر جديد، ومع قيادات شابة جديدة، إلا أن المهم المحافظة على إنجازات الآباء المؤسسين.
وخاصة ذاك الإنسان الرائع المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الأب الروحي للتجربة الاتحادية العربية الأولى. وذاك الذي سبق الزمن في التخطيط لمرحلة ما بعد النفط، الإنسان الذي رسخ للرؤية المستقبلية للاقتصاد المرحوم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم.
والذي أكد على أهمية وجود رؤية مستقبلية للدولة في المجالات الاقتصادية ومراعاة أن يعيش الإنسان حياة كريمة، وقد ساهم كلاهما رحمهما الله في ترسيخ دولة الرفاهية.
وتوفير حياة كريمة لكل من يقيم على أرض الإمارات العربية المتحدة ووضعا اللبنات الأولى للتحديث والتجديد والمأسسة، وبقى أن نؤكد أن متابعة المسيرة تتطلب انطلاقة جديدة نحو التحديث لأن العالم مع التجديد، ولأن التحديات الجديدة تحتاج إلى جيل جديد ورؤية جديدة.
وأفضل وأحدث مؤشر على التغيير فى بلدنا مبادرة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله التى أعلن فيها سموه يوم أمس الأول »الخميس« عن تفعيل دور المجلس الوطني الاتحادي عبر انتخاب نصف أعضائه من خلال مجالس كل إمارة .
وهذا دليل على استجابة القيادة الجديدة للدولة وعلى رأسها صاحب السمو رئيس الدولة لمتطلبات ومتغيرات الوقت الحاضر بتفعيل المشاركة السياسية للمواطنين في أعلى أجهزة الدولة، مما يحقق طموحات الوطن الشاب، وهذا ما تعكسه توجيهات صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي في الوقت الحاضر.
وهو ما أكده أيضاً الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع من ضرورة تفعيل المشاركات السياسية لكافة أبناء الوطن وضرورة التغيير ومواكبة التطورات ، ومقولة سموه الشهيرة »علينا أن نتغير قبل أن نُغير«.
وحدة الدراسات والبحوث
almutawa_mohammed@hotmail.com