مرة اخرى ومثلما اكد جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين في كتاب التكليف السامي الذي وجهه الى رئيس الوزراء الدكتور معروف البخيت عاد جلالته ليؤكد في خطاب العرش السامي الذي افتح به الدورة العادية لمجلس الامة بأن الامن يشكل قاعدة الاستقرار والتقدم والازدهار وان الاولوية يجب ان تعطى لوضع استراتيجية امنية شاملة تكون قادرة على التعامل مع المستجدات والتحديات واستيعابها بكفاءة عالية.
وهذا التأكيد القوي على تلك الاولوية وبوجود قناعة ناتجة عن قراءة واقعية للوضع الاقليمي هو في الحقيقة بمثابة رسالة للجميع بضرورة التكاتف والتضامن والاتحاد في وجه كل استهداف محتمل للاردن، ومع الاعتراف بالخبرة والقدرة التي تصرفت على اساسها الاجهزة الامنية والمؤسسات المدنية ذات العلاقة على أثر العمليات الارهابية التي تعرضت لها ثلاثة فنادق في عمان مؤخرا فان طبيعة وخطورة الاستهداف الذي اشار اليه جلالة الملك تتطلب اعلى درجات التعاون بين الحكومة وبين الاعيان والنواب لتعزيز القدرات الامنية للدولة وفي الوقت نفسه معالجة المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتحقيق النهوض الشامل في البلاد.
ولا بد هنا من ملاحظة ان جلالة الملك قد ضمن خطابه توجيهات عامة من دون تبني خطة محددة للحكومة الجديدة في ضوء الموازنة العامة للدولة او غيرها من القواعد التي يقوم عليها برنامج عملها مثلما جرت العادة، وانما وضع الحكومة ومجلس النواب تحديدا امام اختبار القدرة على معالجة الظرف الراهن بما يقتضيه من وطنية عالية الحس ومسؤولية صادقة الضمير، وبما يتطلبه الحال من تشريعات وقوانين وتوجهات تدعم مسيرتنا من اجل الحرية والديمقراطية ومن اجل التنمية والاصلاح والتحديث ايضا.
صحيح اننا على ابواب مرحلة جديدة مليئة بمعوقات داخلية وخارجية، ولكن تأكيد الملك على الاجندة الوطنية كمرجعية يمكن الاستناد اليها عند التخطيط للمستقبل القريب، وعلى توصيات لجنة الاقاليم مرجعية اخرى للتقسيمات الادارية في مناطق تنموية سيطبق فيها شكل جديد من اشكال توسيع قاعدة المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار، انما هو جزء من عملية كبرى يفترض ان تضم تحت اجنحتها منظمات المجتمع المدني وخاصة الهيئات العاملة في نطاق التكافل الاجتماعي وجهود مكافحة الفقر والبطالة التي دعا جلالته الى ايجاد مرجعية واحدة تضع حدا لسوء التوزيع وتشتت الجهود، بحيث يتحقق مفهوم المجموعة الوطنية لاول مرة ضمانا لقوة الحركة ونجاح المسعى.
قد يحتاج الخطاب الى قراءات معمقة في مستوى المعاني والابعاد، وقد تكون القضايا التي تمت الاشارة اليها بحاجة الى قدر معقول من التبصر والتفكر، ولكن ما من احد يشك في اننا على ابواب مرحلة جديدة لا ينفع فيها كثير من الوسائل والاساليب ولا حتى التقاليد والاعراف التي اعتدنا عليها زمنا طويلا، وهذا لا يعني اننا امام النقيض او الضد، ولا حتى البديل بمعنى المختلف، ذلك ان قواعد الدولة الاردنية واركانها شأن متفق عليه، ولكنه من غير المعقول حصر العملية السياسية في طريقة ومستوى التعامل بين الحكومة - كل حكومة - والنواب، او في مستوى الجماعات المنفصلة والمعزولة عن بعضها.
نعم لقد عرض الخطاب كل التحديات وحشد كل المرجعيات وبين الاولويات وحدد التطلعات، وفي مطلع الاسبوع المقبل سنرى ونتابع استحقاقات دستورية عديدة وكلنا امل في ان يثبت الجميع قدرتهم على الذهاب الى المرحلة الجديدة التي اشار اليها جلالة الملك وذلك على ارضية صلبة من الامن الذي هو عماد الاستقرار، والعزيمة القوية التي هي شرط النجاح.