آثارت الانتخابات التمهيدية الداخلية في حركة فتح جدلاً واسعاً قبل اجرائها وجدلاً اوسع بعد اجرائها، وجرت محاولات عدة لالغائها او تفصيلها حسب مقاسات خاصة، وفي النهاية أجريت الانتخابات وأفرزت وجوها جديدة يمكن وصفها بالجيل الثالث من قيادات فتح، وسقط احد رموز اللجنة المركزية لحركة فتح وهو صخر حبش الذي خرج عن طوع المركزية وخاض الانتخابات في رام الله رغم احجام كافة اعضاء اللجنة المركزية عن خوضها خشية الفشل.
الانتخابات برزت كفكرة طرحها النائب الاسير مروان البرغوثي في محاولة منه لابراز قيادات شابة تمثل الحركة في المجلس التشريعي وكانت الفكرة ان يتم الانتخاب في يوم واحد ولكل مرشحي الحركة في الاراضي الفلسطينية كدائرة انتخابية واحدة، لكن حسابات مركزية فتح، تختلف عن ذلك ولهذا لم تجر الانتخابات في يوم واحد، وجرى الخلط بين مرشحي الدوائر ومرشحي القائمة النسبية دون تمييز ما يعني ان كثيرا من الفائزين ليسوا معروفين على مستوى الاراضي الفلسطينية، ولهذا ستجد الحركة صعوبة في فرز الفائزين في القائمة النسبية.
وبالتالي فإن الفوز في الانتخابات الداخلية لا يعني بالضرورة ضمان الفوز في انتخابات المجلس التشريعي لأن المنافسة ستكون شديدة مع وجود حماس وقوائم منافسة لليسار وللوسط والمستقلين. بل ان بعض الشخصيات من حركة فتح ستخوض الانتخابات كمستقلين مثل الوزير السابق ماهر المصري وعضو اللجنة التنفيذية غسان الشكعة وجميل الطريفي، وهؤلاء لهم باع طويل في العملية الانتخابية ولديهم المال الكافي للصرف على الحملات الانتخابية بينما يؤكد مقربون من حركة فتح ان خزينتها فارغة وأن اغلب مرشحيها من الطبقة غيرالميسورة،
ولعل حركة حماس أكثر تنظيماً وانضباطاً في هذا الشأن حيث إنها لم تفصح بالكامل عن مرشحيها ولديها ما يكفي من مال للصرف على حملاتهم الانتخابية، وهي تعمل على انتقاء مرشحين يضيفون اصواتا اليها من الوسط المستقل، وعمليا فإن حماس في وضعها الحالي أكثر ثراء من فتح لأن الاخيرة بعد تحولها الى حزب حاكم اهملت الجوانب المالية والتنظيمية وصارت مصاريفها تؤخذ من ميزانية السلطة كغيرها من الفصائل المنضوية تحت لواء منظمة التحرير،
وبالتالي لم تعد لديها خزينة مستقلة. وقد جرت محاولات سابقة لحصر ممتلكات الحركة في الخارج وفي البنوك إبان حياة الرئيس الراحل ياسر عرفات لكنها لم تر النور. وصارت حركة فتح تغرف من ميزانية السلطة الى أن أحكم المانحون رقابتهم على وزارة المالية. ورغم ان الانتخابات شابتها تجاوزات وتم شراء ذمم بالمال او بوعود اخرى، الا انها كانت تجربة حزبية تجرى لأول مرة لأن كل الاحزاب والفصائل الفلسطينية طالما طالبت بالديمقراطية من السلطة لكنها لم تمارسها داخليا مطلقا،
وقد كان رأي الرئيس الفلسطيني محمود عباس منذ البداية تعديل قانون الانتخابات لتتم الانتخابات كدائرة واحدة حسب التمثيل النسبي للاحزاب والفصائل حتى تتمثل كل الفصائل في المجلس التشريعي وفقا لشعبيتها، وهو النظام المعمول به في اسرائيل لكن رغبة ابو مازن اصطدمت بمعارضة غالبية النواب، لأن ذلك قد يحرمهم من خوض الانتخابات ثانية وكذلك فإن مركزية فتح خشيت من ان القائمة النسبية قد تعمل لصالح حركة حماس باعتبار ان انصارها أكثر انضباطا فيما تتعرض قواعد فتح لاختراقات المستقلين والمرشحين الاثرياء الذين يستطيعون شراء الذمم بالمال.
عمليا يمكن القول ان التيار الشاب الذي قاد الانتفاضة الاولى ثم الثانية هو الذي فاز في انتخابات فتح الداخلية التي أجريت في اربع دوائر وستستكمل خلال ايام، ومن المتوقع ان يفوز التيار نفسه لاحقا سواء في الضفة او في غزة وهذه ستسجل كضربة موجعة للجنة المركزية التي لم تلتصق بالشارع كثيرا وتعرضت لموجة نقد في الآونة الاخيرة خاصة بعد محاولتها تغيير نظام الانتخابات الداخلية بحيث تكون هي صاحبة القرار في اختيار المرشحين بعد انتخاب ضعفي العدد المطلوب.
ولعل الرئيس ابو مازن هو اكثر الناس سعادة بهذه النتائج لأنه يسعى لدمقرطة الحياة السياسية الفلسطينية مهما كان الثمن، وهو الذي بادر الى تكليف الاسير مروان البرغوثي بتزعم قائمة فتح في الانتخابات قائلا له في سجنه آن الاوان لكي تحمل الحركة على كاهلك، فكان أن لبى الأخير النداء مشترطا انتخاب المرشحين وعدم تزكية أحد حتى نفسه. في المقابل فإن حركة حماس المتلهفة للانتخابات والمعارضة لتأجيلها لم تعد حساباتها السابقة تتطابق مع الواقع المنتظر في الانتخابات، فالتطورات السياسية خاصة داخل اسرائيل تعمل لصالح حركة فتح
حيث أن هناك احتمالا لأفق سياسي نحو التسوية سواء فاز شارون وحزبه الوسطي او فاز حزب العمل اليساري او تحالف الاثنان. فيما ان بقاء شارون المحاط باليمين المتطرف الرافض للحديث عن أية تسوية سلمية مدعاة لتصلب الشارع الفلسطيني. كما ان حركة حماس ارتكبت أخطاء على الارض منذ بدء الانسحاب في غزة أضرت بمصداقيتها في الشارع الفلسطيني خاصة في غزة حصنها الحصين. فيما ان تطبيع الحياة في غزة وفتح معبر رفح والوعود ببدء دورة اقتصادية حقيقية وورود استثمارات تصب في مصلحة التهدئة
بل ان السلطة بادرت الى اقتطاع مبلغ 225 مليون دولار لتمويل مشاريع بنية تحتية وصحية في غزة والضفة قبل اسابيع قليلة وهذه الاموال جاءت من صندوق الاستثمار الفلسطيني ورغم ان رئيس الوزراء احمد قريع نفى أية علاقة بين هذه المشاريع والانتخابات وان اللجوء الى الاحتياطي جاء بعد تباطؤ المانحين في تمويل هذه المشاريع الحيوية، الا أنها جاءت في سياق الحملة الانتخابية من جهة ومحاولة من قريع لتكريس نفسه لاحقا رئيسا للوزراء بعد ان رفض خوض الانتخابات البرلمانية.
رئيس تحرير »الحياة الجديدة« ـــ فلسطين