عقد مركز الخليج للأبحاث بالاشتراك مع الجمعية العربية للعلوم السياسية ندوة يومي 23 ـــ 24 نوفمبر 2005 بعنوان »دور مراكز البحوث والدراسات السياسية والاستراتيجية في الوطن العربي: التحديات والآفاق«، بحضور عدد من النخب العربية والمسؤولين عن المراكز البحثية اللامعة والمؤثرة في عالمنا العربي اليوم. ولقد أثارت الندوة مجموعة هامة من الإشكاليات المرتبطة بدور ونشاط هذه المراكز البحثية، وبشكل خاص تأثيراتها المجتمعية وعلاقتها بمراكز صنع القرار.
لا تنفصل مسألة دور مراكز البحوث السياسية عن المناخ المحيط بها، فهذه المراكز لا تعمل في فراغ مجتمعي بقدر ما تتأثر بطبيعة الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية المحيطة بها، لذلك فإن تناول ومناقشة مدى تأثير هذه النوعية من المراكز رهن بالأجواء المجتمعية المحيطة بها. فإذا كانت الأجواء السياسية تتسم بالحرية والديمقراطية فمن الضروري أن ينعكس ذلك على طبيعة الأنشطة التي تمارسها هذه المراكز البحثية من ناحية تأثيراتها المجتمعية بشكل عام، وتأثيراتها على صانع القرار على وجه الخصوص.
أما إذا كانت الأجواء المجتمعية تتسم بقدر كبير من القمع والديكتاتورية فإن ذلك ينعكس على عمل وأنشطة هذه المراكز البحثية الأمر الذي يفضي في النهاية إلى تعطيل أدوارها، ويؤدي بها إلى أن تصبح مجرد صورة لما تمليه السلطات الحاكمة في هذه المجتمعات. من هنا فإنه من الضروري عند مناقشة المراكز البحثية في العالم العربي مراعاة الاختلافات بين الدول العربية سياسياً واقتصادياًَ وحضارياً؛ فالمراكز البحثية في المشرق العربي تختلف في طبيعة نشأتها والظروف التي تواجهها عن نظيرتها في المغرب العربي التي تختلف بالتأكيد عن مثيلتها في الخليج العربي.
ورغم الاختلافات الحادثة بين توجهات ومشارب هذه المراكز البحثية السياسية في العالم العربي، فإنه من الضروري التركيز على العمل المشترك فيما بينها. فما تفتقده هذه المراكز هو وجود شبكة معلومات مركزية تساعد على التعرف على الأنشطة البحثية لكل مركز، مما يساعد على إلمام كل منها بأنشطة الآخر توفيراً للجهد والنفقات.
كما أنه من الضروري أن تلتقي هذه المراكز البحثية السياسية بغيرها من التخصصات الأخرى بما يساعد على إثراء البحوث السياسية وتعميق فهمها للمجتمعات العربية وصناعة القرارات السياسية في العالم العربي. كما أنه من الضروري بالنسبة لهذه المراكز البحثية أن تتجاوز توحدها مع السلطة السياسية لتحتك بالجوانب المجتمعية والمشكلات المختلفة التي يواجهها المواطنون في حياتهم اليومية، فكلما كانت هذه المراكز البحثية أكثر التصاقاً بالمجتمع، وأكثر تعبيراً عن احتياجاته الراهنة، كلما كانت أكثر تأثيرا من ناحية، وأكثر قدرة على الاستمرار في أنشطتها من ناحية أخرى.
ولا يمكن في هذا السياق تناول دور المراكز البحثية السياسية في العالم العربي دون تناول العلاقة الشائكة والمعقدة بين المثقف والسلطة. فالقائمون على هذه المراكز المختلفة والمتعددة هم في النهاية مثقفون، ينتمون إلى النخب الفكرية بغض النظر عن توجهاتهم الأيديولوجية المتنوعة. لذلك فهم من ناحية يسعون لنشر هذه المعرفة مجتمعيا، ومن ناحية أخرى يسعون بشكل أو بآخر لتوصيلها للسلطات السياسية بغية الاستفادة منها في صنع القرارات المصيرية الآنية لدولهم.
من هنا تبرز المسألة الشائكة عن طبيعة العلاقة بين المثقف والسلطة؛ هل يسعى هذا المثقف إلى المسؤولين، وبأية كيفية، وكيف يحافظ على المسافة بينه كمثقف وبين السلطة السياسية، بحيث لا ينخرط في النهاية في العمل السياسي ومتطلباته، وتضيع الحدود القائمة بين الفكر والأيديولوجيا.
لا توجد وصفة سحرية واحدة يمكن من خلالها تحديد طبيعة العلاقة بين المثقف والسلطة، وبالتالي طبيعة العلاقة بين هذه المراكز البحثية السياسية وبين المسؤولين في أى مجتمع من المجتمعات. فحيثما تختلف السياقات السياسية والمجتمعية تختلف أيضا العلاقة فيما بينهما. ففي المجتمعات العربية حيث لا تتمتع معظم هذه المراكز البحثية بالاستقلالية المنشودة تجاه السلطة السياسية، فإنها تتحول إلى مجرد واجهات تتحدث باسم السلطة من جانب، وتسعى إلى تلميع النظم السياسية من جانب آخر.
وفي هذا الإطار كثيراً ما يجني المسؤولون عن هذه المراكز السياسية ثمرة القيام بمثل هذا الدور الموالي للنظم السياسية والمتوحد معها؛ اما المزيد من التمويل المادي السخي من جانب السلطة السياسية لمثل هذه النوعية من المراكز البحثية؛ واما أن يجني المسؤولون عنها مناصب سياسية يتحولون من خلالها إلى سندة مباشرين لهذه السلطة السياسية ومشاركين في بنية هيمنتها السياسية.
تثير مسألة العلاقة بين المثقف والسلطة مسألة أخرى بالغة الأهمية وهى كيفية تمويل هذه المراكز السياسية في عالمنا العربي، حيث تواجه هذه المراكز معضلة الضغوط المادية المتلاحقة من أجل استمراريتها، والرغبة في الحفاظ على استقلاليتها تجاه السلطة السياسية. وتواجه معظم هذه المراكز العديد من المشكلات المالية الأمر الذي يؤدي بالكثير منها إما إلى توقف أنشطتها وممارساتها البحثية، وخصوصا المراكز الخاصة منها التي تعتمد على نفسها في إيجاد مصادر التمويل التي تساعدها على العمل والاستمرار،
وإما إلى البحث عن مصادر تمويل أخرى سواء داخلية أو خارجية. تبرز هنا مسألة التمويل بشكل ملح وضاغط من خلال الاختيار بين الاستعانة بالتمويل الداخلي العربي، أم بالتمويل الخارجي الأجنبي، ولكل منهما أجندته الخاصة. وفي ظل حالة الضعف التي يواجهها العالم العربي، أصبحت الكثير من هذه المراكز البحثية عرضة لاختراقات التمويل الأجنبي، ومجرد آلية لتطبيق المشروعات الخارجية، الأميركية منها بالأساس، المرغوب فرضها على المنطقة العربية.
تفرض مسألة التمويل نفسها بشكل كبير على عمل هذه المراكز البحثية، وهو الأمر الذي يستدعي ضرورة وجود حد أدنى من استقلالية عمل هذه المراكز أمام أى أجندة يفرضها الممولون، سواء من الداخل أو من الخارج، على عمل هذه المراكز. فبدون هذا القدر من الاستقلالية تفقد هذه المراكز قدرتها على الحفاظ على توجهاتها الفكرية ومشروعاتها التنويرية وعلى مصداقيتها المجتمعية.
إضافة إلى ذلك، لا بد أن تمتلك هذه المركز قدراً كبيراً من الشفافية في النواحي المالية تستطيع من خلاله أن تعلن على الملأ حجم المدخولات وحجم المصروفات؛ حيث تمنحها هذه الشفافية الثقة من جانب الآخرين المساهمين في عمل هذه المراكز. وليس هناك من حلول جذرية لمواجهة اشكالية التمويل الخاصة بعمل هذه المراكز، فلكل مركز ظروفه الخاصة به، كما أن التعامل مع مشكلة التمويل يتم من خلال الممارسات اليومية وكيفية مجابهة هذه المشكلات التمويلية.
مازالت المراكز البحثية السياسية في عالمنا العربي تواجه الكثير من المشكلات سواء المجتمعية أو السياسية أو التمويلية، لكن الشيء الأكيد أن دأب هذه المراكز، وإيمانها بأجندتها الخاصة، ورغبتها في الحفاظ على استقلاليتها، كلها عوامل تساعد إلى حد بعيد في نجاح هذه المراكز واستمراريتها، ولنا في مركز دراسات الوحدة العربية خير مثال على هذه النوعية من المراكز الجادة والناجحة.
كاتب مصري ـــ جامعة الإمارات