يفتون بالتكفير ولا يكفرون، يهدرون دم الأبرياء من أبناء جنسهم ولا تهدر دماؤهم، يأولون ما يحلو لهم من آيات وأحاديث نبوية فيحملونها فوق مدلولاتها الحقيقية، يزعمون نجاتهم من النار، وكل من خالفهم فيها، فلا يعترضهم معترض. هؤلاء من هم؟ ومن يقف وراءهم؟ وما هي حقيقة قوتهم؟ وما هي أهدافهم؟ ولماذا تمردهم على كل ما هو منطقي؟
وما معنى مخالفتهم لكل نواميس الطبيعة؟ ولماذا ثورتهم ضد »الكفار« وكل من والاهم؟ في الوقت الذي ينعمون بكل ما صنع »الكفار« من آلات حديثة، وسلع ضرورية وكمالية، وحتى السلاح بأنواعه، والسيارات المفخخة التي يزرعون بها الموت هنا وهناك، ومن المؤكد أنهم يتداوون بأدوية من صنع »الكفار« مهما تشدقوا بالطب النبوي، وحملوه فوق طاقته! لا شيء من صنعهم سوى اللعنات السود، التي يكيلونها ليل نهار، على كل من فسد وجار!!
والغريب المريب، أن المنابر على كثرتها في المساجد، ودور العبادة في طول البلاد الإسلامية وعرضها، لم تحرك ساكنا لتفنيد مزاعمهم، أما مراجع المسلمين الدينية فساكنة سكون القبور، إزاء ما يحدث بل سمعنا بعضهم يؤيد »جهادهم« وما عليكم إلا أن تسألوا أهل الذكر لتأكيد هذا الموقف الشائن، وتستجوبوا الراسخين في العلم من أضراب فضيلة »الشيخ« قدس الله سره! وسماحة »الشيخ« جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً.
إنهم يقتلون عن سبق إصرار وترصد وتعمد، مخالفين بذلك قوله تعالى »ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق« وقوله تعالى »من قتل نفسا بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا«، وعليه فمن حقنا ان نتساءل عن هذا الصمت الرهيب، الذي يلوذ به بعض أهل الذكر والراسخين في العلم، من مشايخنا، الذين يفتون في كل شيء، من عذاب القبر إلى الحسابات في البنوك الربوية والإسلامية،
ناهيك بالكيمياء والفيزياء ونظريات الزنادقة من »دارون« و »كانت«، إلى شيوعية »ماركس« وتلميذه »ستالين« ولا يفوتهم كذلك علم الغيب وما أدراك ما علم الغيب؟ ولكنهم لا ينبسون ببنت شفة عن هذه الآثام التي ترتكب باسم الإسلام، حتى أصبح المسلم منبوذاً حيث سار وحيث أقام، وأصبح الإسلام في نظر معظم سكان البسيطة دين التطرف والغلو، بعد أن كان دين الحق والتسامح، لماذا لا تطبق عليهم حدود الشرع؟
ألم يقل الخالق عز وجل »ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب«؟ هؤلاء الموبؤون ينادون بتطبيق الشريعة ويقولون إن الإسلام هو الحل »شعار هلامي« لا يعرف أحد ما الذي سيحدث إذا ما أخفقوا في إيجاد الحلول الناجعة للبطالة والتضخم واستفحال وباء إنفلونزا الطيور!! بالإضافة إلى انقطاع التيار الكهربائي!! وشح المياه!!
يتساءل أحد العقلاء، هل نحمل الإسلام وزر ذلك والعياذ بالله؟ أم نحملهم هم عواقب الفشل والإخفاق؟ وينادون الكل بالانضواء تحت عباءة جهلهم وتخلفهم، فيهددون ويتوعدون من لا يلبي دعوتهم، وهم أعجز من أن يأتوا لنا ببرهان ولو في مقدار الذرة، على ما قدموا للإنسانية، وهم كذلك أعجز من أن يثبتوا بالدليل القاطع الملموس مساهمتهم في الحضارة التي ينعمون بخيراتها، فهم يلبسون ما لا ينسجون، ويأكلون مما لا يزرعون،
ويمتطون متن السحاب على نفاثات هي الأسرع في وقتنا الراهن تطوع بصنعها الكفار وأهل النفاق؟! وهم يقرأون القرآن ويعلمون علم اليقين أن ورقه صنع بآلة من صنع الكفار، وماذا عن الحبر والطباعة والتغليف، ولكنهم يصرون على الإنكار والتنكر ويأبون إلا أن يلعنوا، وكأني بهم لا شغل لهم ولا شاغل سوى التخريب والترهيب والتكسير والتدمير، حينما أدركوا أنهم فشلوا فشلا ذريعاً في فهم هذه الحضارة العظيمة التي نتفيأ ظلها وننعم بنعمها. لقد أخفقوا في إدراك معنى الوجود. علماً أن الخالق عز وجل قد استخلف الإنسان في الأرض ليعمرها لا ليدمرها ولكن:
أنى لأعمى أن يرى ولأبكم
أن يدرك الإبهام والإفصاحا
يا فاسداً حتى النخاع ضميره
أتعبت نفسك تنشد الإصلاحا
أتعبت نفسك تدعي ما تدعي
شيماً جعلت لها النجوم وشاحاً
لقد خابت جميع مساعيهم، ولكنهم نجحوا نجاحاً باهراً في تأليب الرأي العام العالمي ضد كل ما هو إسلامي وضد كل من يقول: »أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله« وبذلك يقدمون خدمة جليلة للعدو الصهيوني وكل من يتربص بالعرب والمسلمين الدوائر دون أن يكلفوا »أي الأعداء« أنفسهم عناء العمل من أجلها! فهل منا من يستطيع التنبؤ بحال المسلمين إذا ما قرر العالم غير الإسلامي الانتقام؟
بفرض عقوبات ضد الديار الإسلامية وخاصة العربية وهي الأضعف؟ حيث لا صناعة ولا صناع وحيث لازرع ولا مزارعين، إنها التهلكة بعينها، والخالق يقول: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة« إن العرب بوجه خاص اليوم أضعف من أي وقت مضى ما دامت الأفكار الملعونة تنتشر انتشار النار في الهشيم بين الأغلبية المخدرة بالتمائم.
إن ضربة استباقية ضد الأوكار المشبوهة، والكهوف المظلمة، التي تؤوي أهل الظلام والخصام، باتت مطلبا ملحا يتحمل مسؤوليته الجميع وخاصة النظم العربية والإسلامية، أوليست هي التي تشرف على الشأن العام وتدير دفته؟ بما في ذلك السلاح والانتخابات النزيهة؟
إذ أن الفئة »الناجية« لن ينجو أحد من نارها في حال انتصارها، وهي بالتأكيد لن تقيم اعتباراً لأمير أو حقير، أو غني أو فقير، أو طويل أو قصير الا من كان حسب مواصفاتها شكلا ومضموناً، والضربة المقترحة وهي الأنجح من أي ضربة أخرى على المدى الطويل تكمن في المناهج التعليمية والتربوية، فهذه لابد من إعادة النظر فيها برمتها،
بل من الضرورة بمكان أن تستبدل بأخرى ملائمة للعصر وروحه، آخذة بأسباب العلوم الحديثة، وخاصة التطبيقية منها، لحاجتنا الماسة إليها ناهيك بالفلسفة وعلم المنطق، فهذه كفيلة بخلق إنسان عصري، ينظر إلى الآخر بعين الرضى لا بعين البغض والكراهية، ويعطي بقدر ما يأخذ وقبل كل شيء لا يخشى في الحق لومة لائم.
كاتب إماراتي