بينما يقول لنا الغرب إنه يرى في حركة المد الإسلامي استغلالاً للعقيدة الدينية لخدمة أهداف سياسية بمعنى الخلط »غير المشروع« بين الدين والسياسة ـــ فإنه لا يقول لنا كيف ينظر إلى الحركة الصهيونية العالمية ذات العقيدة اليهودية.. وبالامتداد، كيف ينظر إلى دولة إسرائيل باعتبارها دولة خالصة لليهود.

نطرح هذا التساؤل بمناسبة مؤتمر »يوروميد« المنعقد في إسبانيا.عند صياغة البيان الختامي لهذا الاجتماع الذي تتشارك فيه عشر من دول البحر الأبيض المتوسط مع دول الاتحاد الأوروبي كانت هناك عقبة كبرى تمثلت في اختلاف مبدئي على تعريف ما هو الإرهاب. فالدول الأوروبية ترفض أية صيغة تعريفية للإرهاب تتضمن اعتبار مقاومة الاحتلال بالقوة العنيفة عملاً مشروعاً وليس ممارسة إرهابية.

إسرائيل إحدى الدول الأعضاء في مؤتمر »يوروميد« جنباً إلى جنب مع الدول العربية المتوسطية. وجاء الإصرار الأوروبي على دمغ مقاومة الاحتلال الأجنبي ليعكس الانحياز التقليدي الغربي للدولة اليهودية. وفي هذا مدعاة لاستدعاء التساؤل المطروح على الدوام: هل التحيز الغربي الثابت لإسرائيل نابع من تحالف مسيحي ـــ يهودي ضد الإسلام؟

صامويل هنتنجتون الفيلسوف السياسي الأميركي المعاصر يجيب على هذا التساؤل بالإيجاب من خلال مقالته الشهيرة التي تحولت إلى كتاب بعنوان »صراع الحضارات«. قول هنتنجتون إن محور الحرب العالمية الأولى كان صراعاً على الأسواق الخارجية وأن محور الحرب العالمية الثانية كان صراعاً حول الايدولوجيات (الرأسمالية مقابل الاشتراكية الشيوعية).. لكن الحرب العالمية المقبلة سوف تكون بسبب صراع حول الأديان.

وإذا كان هذا المفكر الأميركي قد اختار »صراع الحضارات« عنواناً لكتابه وليس »صراع الأديان« فلأنه يرى أن العقيدة الدينية تمثل العنصر والمرتكز الأساسي لأي حضارة ـــ كما يرى أن هذا ينطبق بصفة خاصة على الأديان السماوية الثلاثة.الوضع الأمثل للبشرية جمعاء يتمثل بالطبع في استنباط صيغة للتعايش السلمي بين الملايين من اتباع كل من هذه الديانات الثلاث.

لكن هذا التصور النظري يدحضه الواقع الدولي المرئي. وبينما يرى هنتنجتون حتمية وقوع حرب عالمية مستقبلية بين تحالف مسيحي ـــ يهودي وبين أمة المسلمين فإن الزعيم الماليزي مهاتير محمد يقول بكل صراحة إن الحركة الصهيونية اليهودية هي التي تدفع باتجاه تحريض الغرب المسيحي على إشعال مثل هذه الحرب.

ورغم إنه لا المسيحيون العاديون ولا المسلمون العاديون على مستوى الشعوب يستشعرون رغبة في اندلاع حرب بشعة كهذه، إلا أن هناك من الشواهد ما يدعو إلى القلق. ومثال ذلك تنامى النفوذ السياسي في الولايات المتحدة لتحالف اليمين المسيحي الأميركي مع المنظمات اليهودية تحت راية عداء معلن للإسلام والمسلمين.

وبالطبع ـــ وفي كل الأحوال ـــ يظل التحيز الغربي الفاضح للدولة اليهودية وإنكاره مشروعية المقاومة للشعب الفلسطيني المسلم موضع ريبة على الدوام.