على الرغم من ارتفاع الاصوات الداعية إلى انهاء الاحتلال في العراق من قبل دوائر أميركية وغربية عديدة بعد انتفاء الاسباب التى قادت للغزو, ومع تفاقم حالة التردي الأمنى التى يعيشها هذا البلد تابع العالم أمس تعنتا جديدا للرئيس الأميركي جورج بوش وإصراراً غير مبرر على استمرار بقاء القوات الأميركية تسنده وثيقة صادرة عن مجلس الأمن القومي في البيت الابيض تستبعد تحديد جدول زمني معين لإنهاء الحرب في العراق.

والتعنت الأميركي فيما يتصل بالابقاء على القوات في العراق ليس جديدا وانما الغريب في الامر ان تظل مواقف واشنطن ثابتة لاتتزحزح في ظل متغيرات كثيرة ومؤشرات عديدة تؤكد ان خيار المواجهة المسلحة لم ينجح في تحقيق حلم بوش بالقضاء على الإرهاب المزعوم وانما "زاد الطين بلة" وأدى إلى تفاقم ظاهرة الإرهاب وتفريخ العديد من الإرهابيين بشهادة تقارير أميركية وغربية.

وازاء كثير من المتغيرات التى شهدتها الساحة العراقية ومع سقوط التقاريرالاستخباراتية التى بررت بها إدارة بوش الغزو واحدا تلو الاخر، واستمرار حالة التردي الأمني في العراق، يظل الموقف الأميركي شاذا وغريبا ويمكن تصنيفه في خانة "المكابرة" التى ستفضى إلى سقوط العديد من الضحايا دون وجود مبرر واحد لاستمرار المواجهات في العراق.

والأمر الذي لا يختلف عليه اثنان هو ان القوات الأجنبية بما فيها الأميركية فشلت فشلا ذريعا في تحقيق الأمن للعراقيين بعد ان صارت هدفا سهلا لضراوة المقاومة، وأصبحت عاجزة حتى عن حماية أفرادها مع تزايد هجمات المسلحين الذين يرون أن الوجود الأجنبي في حد ذاته سببا كافيا لتكثيف الهجمات واستهداف المدنيين والأجانب على حد سواء.

إن أول مداخل علاج الازمة العراقية برأينا- هو انسحاب الاحتلال من هذا البلد بعد ان اصبح الوجود الأجنبي مبررا لتجنيد الإرهابيين, ولابد للإدارة الأميركية من التعامل مع الامر بواقعية لا تتأثر بالغبائن والمواقف الشخصية وبعيدا عن التشنج، فقد وضح تماما ان الأميركيين خسروا كثيرا في حرب العراق وأول ما خسروه هو مصداقيتهم أمام الرأي العام العالمي وقد اكتشف الجميع بعد سقوط بغداد ان كافة التقارير التى اعتمدت عليها إدارة بوش في تبرير الغزو كانت مزورة.

الآن ولمصلحة الإنسانية جمعاء فإن الإدارة الأميركية أحوج إلى مراجعة استراتيجيتها بشفافية كاملة تضع الأمور في نصابها وتستحدث أسلوبا جديدا لإنهاء الإرهاب بعد ان فشل خيار المواجهة العسكرية.