الذين أرادوا عزل العراق عن محيطه العربي، والإسلامي، نظروا للأمور من زواياهم الخاصة، ولذلك أصبحت مجريات الأحداث تتجه إلى التقسيم، أو التدويل، أو الحرب الأهلية الطويلة، وهذه مجتمعة قد تقترب من بعض الحقيقة، ولكنها لا تؤكد أن العراق لا يمكنه تجاوز ظروفه وإحلال المواطنة الشاملة بدلاً من تعقيدات الانقسامات الداخلية..
المملكة سعت أن يكون العراق حراً في قراراته وفي تشكيل حياته السياسية والاجتماعية، وقد يكون محتاجاً، في ظرفه الراهن، إلى تواجد عسكري دولي، لكنه لا يستطيع أن ينأى عن محيطه العربي، وهنا كان قدوم رئيس وزراء العراق للمملكة الدكتور إبراهيم الجعفري، تأكيداً على أن هناك قواسم مشتركة بين البلدين لا يمكن أن تتنافر أو تتقاطع طالما هناك إمكانات كبيرة لدراسة الواقع العراقي من زواياه الداخلية والخارجية، ودفعه لعجلة الإصلاح وتثبيت الوحدة الوطنية، وهي مهمات تحتاج إلى عمل طويل لا ينفي مسؤولية كل الأطراف بضرورة تحقيق مثل هذا الهدف.
قبل ذلك كان المبعوث الإيراني لاريجاني المستشار الخاص للسيد خامنئي قد وصل برسالة خاصة من المرشد الأعلى، ولعل تعاون قوى المنطقة المحيطة بالعراق يساهم بإخراجه من أوضاعه الصعبة والتي تحتاج إلى رؤية أكثر وضوحاً وتدقيقاً في شمولية هذا التعاون، وتصحيح مسارات السياسة التي تضع العراق في الاتجاه الإيجابي حتى لا تصبح الأخطاء، سواء كانت ناشئة عن تقديرات خاصة، أو عامة، سبباً في وضع العراق في مهب العواصف، وعندها قد تتحول دول المنطقة من لاعب خلفي إلى متورطة بصراع طويل قد لا يقتصر على محيط العراق الجغرافي وإنما لجر قوى أخرى تساهم في تصعيد الأزمات..
المملكة مدت يدها للجميع، وليس لها غايات طائفية أو إقليمية، أو احتلال كرسي الزعامة عربياً، أو إسلامياً، وإنما تنطلق من مسؤوليات أدبية وأخلاقية، حين سبق لها احتواء حرب لبنان، وإنقاذ الكويت من الاحتلال، وفتح مختلف القنوات مع إيران، والتوسط والمساهمة في حل العديد من الأزمات بدءاً من ليبيا، وانتهاءً بمعارضتها عزل سورية، أو تطبيق جزاءات عليها..
العراق رقم كبير في الوطن العربي، والعالم الإسلامي، وقد جربت الدول التي تحدّه جغرافياً أن الحروب لم تخلق إلا التعاسة لشعوب المنطقة، وأن فك الارتباط مع ذلك الفكر العسكري يجب أن ينتهي إلى سياسة واقعية تخرج عن أطر الحرب الباردة الإقليمية إلى سياسة المصالحة والفهم المشترك، والتعافي من خلق بؤر صراع جديد، جعلت هذا الإقليم مستوطنة حروب وأزمات..