من يقوم بمراجعة أولية، او حتى متعمقة لمواقف الاتحاد الاوروبي خلال السنوات الثلاث او الاربع الماضية، تجاه عملية السلام في المنطقة، وأسس تسوية الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي من المنظور الاوروبي، سيلاحظ حتماً ان هذه المواقف تشبه حركات الكواكب السيارة: فهي تدور حول نفسها من جهة، وتسير من الجهة الاخرى في مدار خاضع للجاذبية الاميركية غير قادر على الاستقلالية، او التخلص من التبعية للقطب الجاذب الأكبر: الولايات المتحدة.

وهذا التقييم للسياسة الاوروبية يمكن استنتاجه من مقارنة المواقف المتقدمة، والنشطة التي اتخذها الاتحاد الاوروبي او المجموعة الاوروبية وفقا للتسمية القديمة خلال الثمانينات والتسعينات من القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، بالبيانات الروتينية التي يصدرها الاتحاد الاوروبي في السنوات الاخيرة، والتي لا تعدو كونها ترديداً او صدى للتصريحات التي تبثها الادارة الاميركية، بشأن خطة خريطة الطريق، والدولة الفلسطينية القابلة للحياة، وغيرها من الشعارات النظرية التي لا تجد لها سبيلا الى التحقيق امام التعنت الاسرائيلي، والتوسع الاستيطاني والقيود المفروضة على الحريات الاساسية للشعب الفلسطيني.

والمواقف الاوروبية التي اصبحت انعكاساً متطابقاً للسياسات الاميركية في المنطقة، التي هدفها الرئيس هو الحفاظ على مصالح الولايات المتحدة - هذه المواقف الاوروبية تحولت الى وسيلة لمجاملة واشنطن من خلال اصلاح الخلل الذي اصاب العلاقات بين بعض الدول الاوروبية المعارضة لغزو العراق وبين الولايات المتحدة، او تعزيز علاقات الدول المنضوية في تحالف احتلال العراق مع واشنطن والضحية الاولى في جميع الاحوال، هي القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني الذي لا يجد من يطالب وبقوة بتحريره من الاحتلال، وبانهاء الاستيطان الذي قطع اوصال الوطن الفلسطيني، وجعل من المستحيل قيام دولة فلسطينية متواصلة او متصلة جغرافيا.

وتأسيساً على ما تقدم فان قمة برشلونة التي انعقدت خلال الاسبوع الحالي، قد عجزت عن اصدار بيان مشترك يحدد الرؤية المشتركة للاتحاد الاوروبي ودول حوض البحر المتوسط للتسوية السلمية للصراع الفلسطيني - الاسرائيلي، او حتى التأكيد على ما نصت عليه بيانات الدول الاوروبية قبل عقدين او ثلاثة، بشأن حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني - الامر الذي يشكل تراجعا ملحوظا في المواقف الاوروبية الى حد قد يكون ادنى حتى من المواقف الاميركية بهذا الصدد. وكأن الجانبين الاوروبي والاميركي في مناقصة غير مفهومة، ولا مبررة حول مقتضيات ومستلزمات التسوية السلمية والحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.

وربما يمكن ان يفهم المراقب تركيز بيان برشلونة على محاربة الارهاب، واعتبار هذه المسألة محورا لمناقشاته ومقياسا من ضمن المقاييس المعتمدة لتوزيع المساعدات والمنح الاوروبية على الدول المتوسطية - اضافة للاصلاحات الاقتصادية والسياسية. غير ان الدرس الذي لم تتعلمه اوروبا كما يبدو، من احداث السنوات الخمس الماضية في الاراضي الفلسطينية هو ان افضل وسيلة لضمان نجاعة المساعدات الاقتصادية، هي الضغط من اجل التسوية السياسية التي تكفل الحقوق الوطنية المشروعة للفلسطينيين، وتزيل اسباب الصراع والاقتتال في المنطقة، وتضمن التحرك نحو الاصلاحات المنشودة سياسيا واقتصاديا وعلى كافة الاصعدة الاخرى.