حصلت، في الأيام الأخيرة، تطورات غير متوقعة، في الموقف الأميركي، من الحرب العراقية، فواشنطن يبدو أنها راجعت حساباتها وأعادت ترتيب أولوياتها، لتطرح في النهاية ما لم يكن وارداً في أجندتها، وهو طرح يندرج في باب التحول الطارئ، في مقاربته للحرب ولأهدافها، على الأقل في المدى القريب.
في البداية كانت قد رسمت لوحة من »الأهداف الكبيرة«، التي وعدت بتحقيقها وتعهدت بانجازها لم تكن في وارد التراجع أو المساومة حولها على رأسها الحسم العسكري الميداني. لكن بعد أقل من ثلاث سنوات على احتلال العراق، اكتشفت إدارة الرئيس بوش ان الحقائق العنيدة على الأرض، أطاحت بإمكانية الصمود عند الوعود، فكان ان استدارت على نفسها لتعود إلى خيار الحوار مع القوى الفاعلة أو المؤثرة، فوق المسرح العراقي بشقيه السياسي والعسكري.
وبالتحديد أطراف المقاومة ـ غير جماعات العنف الإرهابي ـ وإيران. وبغض النظر عن الاعتبارات التي حكمت هذا التوجه، وعما اذا كان ذلك يأتي في سياق الطرح المناور الخبيث الرامي إلى عزل أو ارباك هذه الأطراف، الا ان القبول بالتحاور والمبادرة إلى طرق بابه،
لا يدخل عاملاً جديداً مفاجئاً فقط، على المعادلة القائمة، بل هو يرسم لها آفاقا مفتوحة على شتى الاحتمالات والمسارات، ولم يكن من غير مغزى ان يتزامن الانفتاح على الحوار مع رسو موقف واشنطن على البدء بخفض قواتها في العراق مع حلول العام المقبل، وذلك في ضوء التعثر وتصاعد الكلفة، فضلاً عن تزايد الضغوط الداخلية، في هذا الاتجاه.
كل ذلك يشكل انعطافة غير مسبوقة، تتوقف حصيلتها على كيفية التعامل معها، لجهة القدرة على صياغة أجندة عراقية لحوار يخدم مشروع وحدة وطنية، يمكن حشد الدعم والتلاقي الواسعين حوله. الواضح الذي لا جدال فيه ان إدارة الرئيس بوش بدأت تشعر بثقل العبء ا لعراقي وفاتورته المفتوحة على المجهول، وإنها تبحث عن صيغة لتقليل الخسائر. ولهذا فتحت الخطوط على جهات كانت من الممنوع والمحظور مد الجسور معها.
ناهيك عن مد يد الأخذ والعطاء، مع كل ما يعنيه ذلك من تسليم بلا جدوى التعويل على الحل الأمني وحده، وحتى ان جهات عراقية كانت قد أعطت إشارات، مؤخراً، في هذا الاتجاه وتمسكت بها، على الرغم من اعتراضات قوى عراقية أخرى متحالفة معها.
ويعزز ذلك ما تم تسريبه في الآونة الأخيرة، عن مصادر في البنتاغون، حول ضرورة الإسراع في الانسحاب التدريجي من العراق.إذن واشنطن مستعجلة، والسعي لإيجاد المخرج جار على قدم وساق فهل يلتقط العراقيون هذه اللحظة للدخول في حوار يرمي إلى التخلص من العنف الإرهابي الأعمى ووقف النزف وحماية وحدة البلاد.