لم يكن مفاجئاً أن يأتي الموقف السوري ايجاباً، بشأن الموافقة على الحل الوسط، والمتعلق بالاستماع لعدد من ضباط الاستخبارات العسكرية السورية من قبل المحقق الدولي ديتليف ميليس في مقر الأمم المتحدة في فيينا، وذلك في اللحظات الأخيرة الحرجة قبل أن يقدم ميليس على تقديم تقريره الجديد إلى مجلس الأمن بشأن عدم / أو التعاون السوري مع لجنة التحقيق الدولية.
كما لم يكن الموقف السوري مفاجئاً في ظل معطيات ومؤشرات على الأرض بدأت تشي عن نفسها منذ شهر تقريباً، مترافقة مع حركة دبلوماسية نشطة بدأت بها سوريا، عبر الأطراف الدولية المؤثرة خصوصاً روسيا الاتحادية، وعبر أطراف اقليمية عربية ذات فعل وحضور في صنع السياسات في المنطقة.
ولعل أقوى المؤشرات التي بشرتنا وأخذت دالتنا ترى من خلالها، كان الخطاب الأخير للرئيس بشار الأسد، واللغة الواثقة العالية التي تحدث بها بالرغم من الظرف الاستثنائي والقاسي الذي تمر به سوريا كدولة وكنظام وشعب.
وترافق الخطاب الرئاسي السوري مع الخطاب التالي الذي ألقاه حسن نصر الله زعيم حزب الله أثناء مراسم تشييع شهداء حزب الله في قلب الضاحية الجنوبية من بيروت، وإطلاقه شرارات المواقف الضمنية للحزب بشأن العلاقات السورية اللبنانية، وإدانته لسلوك العديد من الأطراف اللبنانية التي عملت ومازالت على توتير ملف العلاقات السورية اللبنانية، وتسعير الأجواء والمناخات الاستثنائية التي يمر بها لبنان.
وفي حقيقة الأمر، فان الموقف السوري يسير مستنداً على جملة من التطورات الايجابية بالنسبة لدمشق، وهي تطورات تستطيع أن تكبح أو تخفف من حدة الضغوط المسلطة على الشام، حيث تقع التطورات المشار إليها على قوس الدائرة المنطلقة من العراق وصولاً إلى فلسطين، والغرق المتزايد لإدارة الرئيس بوش بين أكوام من الأزمات والأوراق التي باتت دون حل. فالولايات المتحدة ليست بحاجة الى ملفات جديدة والى عمل عسكري أمام فشل تجربتها في العراق وغرقها في آتون النيران المشتعلة هناك.
ففي الحالة العراقية، تعيش إدارة الرئيس بوش مأزقاً كبيراً، مع انسداد الأفق وغياب الرؤية، وتزايد أعداد القتلى الأميركيين، وانفلات الوضع الأمني بشكل شبه تام، وتضعضع مقولة »الإرهابيين القادمين من سوريا نحو العراق« في ظل تعاون سوري لم يتوقف لضبط الحدود الطويلة مع العراق.
وفي الاطار ذاته، علينا أن نلحظ المواقف الاقليمية المسؤولة لكل من جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية، اللتين باتتا على قناعة تامة بأن انهيار الحالة السورية سيجلب بالضرورة الكوارث والفوضى على الجميع، ولن تكون كل منهما بمنأى عن شظايا وشرارات، بل ولهيب الانفجار في منطقة تعيش فوق بركان من الاضطرابات والأزمات من العراق الى فلسطين.
وفي لبنان فان المنحى العام يؤشر على عودة غالبية الأطراف اللبنانية الى قراءة الحدث والتطورات العاصفة التي ضربت بلبنان منذ اغتيال الشهيد الحريري بهدوء وروية بعيداً عن الانفعال وردات الفعل، مع تنامي الاصطفافات الجديدة في الخارطة السياسية اللبنانية، وعودة ازدهار مقولات الشقيق السوري التاريخي، الجغرافي والبشري والحضاري، وعودة الانحسار البطىء والمتدرج للتيار المغالي في تطرفه السياسي بالنسبة للعلاقة مع سوريا.
وعليه فان خطاب حسن نصر الله الأخير جاء في السياق اياه مع تنامي صوت العقل، ورسالة الى الغالبية اللبنانية للتمعن بأبعاد الاستهداف الأميركي لسوريا عبر لبنان، ومن هنا فان المواقف الأخيرة لوليد جنبلاط في موسكو بشأن سوريا ورفض منطق الضغوط عليها، تحمل شيئاً من الايجابية، وتبتعد نسبياً عن المواقف المتشنجة السابقة، وفي الرسالة الايجابية التي كان قد أرسلها رئيس الوزراء فؤاد السنيورة للرئيس بشار الأسد بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين لقيام الحركة التصحيحية التي قادها الرئيس الأسد الأب عام 1970.
ومؤخرأ أعطت دمشق دفقات ايجابية لملف العلاقات مع لبنان من خلال عودة تزويده بالكهرباء والتراجع عن اجراءات سبق وأن تم اتخاذها بدايات الأزمة، وكذلك تصريحات فاروق الشرع وزير الخارجية السوري حول لبنانية مزارع شبعا، ولقائه مع رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة على هامش القمة الأورومتوسطية في برشلونة.
وفي المحصلة المنطقية، فان سوريا اختارت أسلوب »ركوب الثور « اتقاء لشروره وبدلاً من المواجهة المكشوفة معه. لذلك فالتوصل السوري مع القاضي ميليس الى الحل الوسط بشأن الاستماع الى ضباط الاستخبارات العسكرية السورية الخمسة ( اللواء بهجت سليمان، العميد رستم غزالي،
العميد جامع جامع، العميد ظافر اليوسف، العميد عبد الكريم عباس) في مقر الأمم المتحدة في فيينا يعبر عن نجاح جيد للدبلوماسية السورية، وعقلانية هادئة ورصينة في العمل الجاد من أجل تفكيك ألغاز» الملف الاستخدامي المعقد« بانتظار المرحلة التالية التي قد تحمل مفاجآت من هنا وهناك.
كاتب فلسطيني ـ دمشق