بعد فضيحة التعذيب في سجن أبوغريب وما أثارت من عاصفة نقدية وهجومية ضد الرئيس بوش وأركان إدارته ـــ خاصة تشيني ورامسفيلد ـــ يبدو أن قيادة القوات الاحتلالية الأميركية في العراق، قررت غسل يدها من العمليات القذرة وإيكال أمرها إلى الميليشيات الشيعية على طريقة المقاولة من الباطن بحيث تتفرغ القوات الأميركية للعمليات العسكرية »المشروعة« ضد المقاومة.
هنا نجد عملية توزيع أدوار بإخراج فني أميركي بغرض تبييض الصفحة الأميركية. وبناء على هذا التوزيع يتحدث إياد علاوي (شيعي علماني) من لندن ويشن هجوماً كاسحاً ومكشوفاً على وزارة الداخلية العراقية، مؤكداً وشاجباً ممارسة التعذيب المنظم التي تجري داخل غرف الوزارة وسراديبها المظلمة. والرسالة غير المباشرة هي: القوات الأميركية ليست مسؤولة.. فالحكومة العراقية »ذات السيادة« هي وحدها المسؤولة عن تعذيب مواطنيها.
ومن بغداد يطلق عبدالعزيز الحكيم رئيس »المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق« ـــ التنظيم الشيعي الأكبر ـــ صرخة احتجاجية انتقادية بأن القوات الأميركية تتعمد تعويق عمليات القوات الأمنية العراقية ضد المقاومة. والرسالة هنا مزدوجة.
أولاً أننا مستقلون عن القيادة العسكرية الأميركية.
وثانياً: التقليل من وحشية عمليات الدهم العسكرية الأميركية في مناطق العرب السنة.. وكأن الأميركيين رُسل إنسانية لا ينقصهم العطف على العراقيين السنة.
لكن عملية توزيع الأدوار تكاد تفضح نفسها بنفسها من فرط المبالغة في أداء الأدوار. فهل أن يذهب إياد علاوي ـــ الذي حكم العراقيين بالحديد والنار تحت الإشراف الأميركي ـــ في نقده »انتهاكات حقوق الإنسان« في العراق إلى حد القول إن الوضع الآن أسوأ مما كان عليه في عهد صدام حسين؟ هذا الهجوم يأتي في أعقاب »اكتشاف« القوات الأميركية قبواً في وزارة الداخلية العراقية كان يجري فيه تعذيب نحو 173 معتقلاً عراقياً وُجدوا في حالة أقرب إلى الموت منها إلى الحياة.
إن ممارسات التعذيب في وزارة الداخلية العراقية تُعتبر من الروتين اليومي في أعمال الوزارة.. ولذا فإن الأميركيين لم يكتشفوا سراً. كانت عملية الدهم الأميركية لـــ »إنقاذ« المعتقلين تمثيلية الهدف منها إعطاء انطباع زائف للرأي العام في الولايات المتحدة بأن القوات الأميركية لم تتوقف عن أسلوب التعذيب فحسب، بل إن هذه الممارسة اللإنسانية أصبحت محتكرة بواسطة الأجهزة الأمنية العراقية.
والدور الموكل إلى شخصيات مثل علاوي هو تضخيم هذا الانطباع. وزير الداخلية العراقي بيان جبر هو أحد زعامات التنظيم الشيعي الأكبر »المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق«، والقوات الأمنية التي تتولى مهمات تعذيب المعتقلين إلى جانب تدبير وتنفيذ عمليات اغتيال هي في الحقيقة عناصر تنتمي إلى ميليشيا »لواء بدر« التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية.
وبصرف النظر عمَّا يقوله علاوي وغيره، فإن قيادة القوات الأميركية سعيدة وراضية عن ممارسات وزارة الداخلية العراقية والوحدات السرية التابعة لها. إنها عملية مقاولة من الباطن ليس إلا.