قراءات كثيرة، تقول إن أمريكا عقل تقني، وقوة عسكرية واقتصادية، ولكنها تسير بقدم واحدة، ونصف رؤية في إدارة سياساتها العالمية، والدلائل أنها نجحت في الحرب الكونية الثانية بسلاحها المتقدم، وليس بخططها السياسية وأن ثمرة الفشل بدأت مع الحرب الكورية، ثم الفيتنامية، وأخيراً في احتلال العراق الذي جسد فشل القوة العسكرية..
وفي إشارة لمواقف جديدة، فإن أمريكا تريد أن تأخذ بمبدأ تشرشل رئيس وزراء بريطانيا السابق، الذي لا يمانع في التحالف مع الشيطان في سبيل مصلحة بلده، وهي الآن ليست بحاجة إلى تحالف، وإنما إلى تفاهم مع أطراف دولية لا تزال تحت قوائم الحصار والتدخل العسكري المباشر من قبل أمريكا، إلا أن الاتجاه ينزع إلى فتح قنوات الحوار مع تلك الأطراف.
وهنا نشأت قناعة بضرورة حل القضايا المعقدة مع إيران وسورية، وكوريا الشمالية باللغة الدبلوماسية، وحتى مع عناصر المقاومة العراقية، ولو قدر أن تنجح مع العناصر العربية والإسلامية، وتصل إلى نصف قناعة بحل القضية الفلسطينية، فربما، بسلوكها هذا ، تعزل قوى التطرف في العديد من البؤر التي صارت ميداناً لتكاثر عناصرها، ونموها..
توازن القوى لم يعد يحسم المعارك ما بعد العسكرية، لأن التجارب القريبة أثبتت أن الدول الصغيرة، مثلما تحتاج للاستقرار والاطمئنان، أيضاً الدول العظمى تحتاج لتعاون أقل كلفة، وحتى مسائل الإصلاح التي تريد تثبيتها في سياساتها، يجب نزع الاعتبارات العسكرية منها إلا تحت أقسى الظروف، ولعل أمريكا بالذات التي ظلت سياساتها تبنى على تحليلات ومعارف تقيس المفاهيم والرؤى على المصلحة الأمريكية وحدها، عجزت أن تصل إلى عمق الحراك الاجتماعي، والقوى الفاعلة الداخلية في كل شعب، وكان اعتمادها على سفاراتها، وحكومات تبالغ في مجاملتها، أو قوى صغيرة تتحرك من خلال التجسس، وإعطاء معلومات غير دقيقة، هو الذي ورّط الدولة العظمى في كثير من المواقف الصعبة..
قطعاً أمريكا دولة مؤسسة على موارد ومصادر القوة كلها، وحتى الآن لا يوجد لها منافس، إلا أن صور المستقبل ليست بهذا التبسيط طالما يوجد في آسيا وأوروبا منافسون قادمون، وهنا إذا كانت تريد نجاحاً في العالم الإسلامي الذي تضعه في مواجهة دائمة فعليها أن تحاوره بلغة المصالح والاحترام المتبادل، لا المزيد من الافتراق والصدام..