على صدر صحيفة السياسة في عددها الصادر يوم الثلاثاء الماضي 22 نوفمبر 2005، يقول الشيخ صباح: »إن الديمقراطية التي يريدها الناس ونريدها نحن هي ديمقراطية رقابة متنامية وتشتمل على حرية الرأي السديد.
والقول رفيع المستوى البعيد عن الأهواء والتشفي وإرضاء الغليل والبعد عن استرهان الشارع لحساب قضايا لا يمكن التجاوب معها ولا يمكن التضحية من أجلها على حساب وطن ومستقبل أجيال قادمة..
والحكومة ستواجه بقوة أي استهانة بمشاريعها التنموية والإصلاحية وستواجه بقوة أيضاً أي محاولات تبذل لتعطيل هذه المشاريع، وقررت أنها لن تفتح خزائن دولة الكويت لتلبية مطالب الذين يريدون الثروة الوطنية لمصالح انتخابية ولاستدرار أصوات الناس وتكثيفها في صناديق الاقتراع«.
جاء هذا الجزء في حديث الشيخ صباح مع رئيس تحرير السياسة معبراً عن المواقف الرسمية تجاه ما يدور حول الشأن السياسي والاقتصادي وعلاقة الحكومة بالمجلس..وفي الجزء الثاني يتحدث الشيخ صباح عن شؤون بيت الحكم.
ويرد بقوة بأن رموز البلد باقون على رأس مسؤولياتهم، مع إزالة لاحتمالات وراثتهم وهم أحياء.وفي الجزء الأخير يتحدث الشيخ صباح عن علاقته مع النقد الذي يتعرض له، ويرد بأنه لا يشعر بالضرر جراء هذه الأقاويل، أو ما يكتب.
وربما يجد فائدة بما يكتب أو في ما يقال في الدواوين، مع اتساع الصدر واعتياد تقبل النقد..وينتهي حديثه بالتأكيد على أن الكويت أمام خطة تنمية ستسعد الكويتيين ولا تحتاج لأكثر من الثقة ببعض مع تصميم على منع من يريد وضع العصا في دواليب الحكومة.
واللقاء على قصره واضح ومباشر ويرسم مسار المستقبل، ويزيل الأقاويل، ويشخص مزاج الحكم حول النقد. ومع ذلك لا تخرج الكويت من الإشاعات ولا تنجو من محاولات الاستفادة من الوضع السياسي الذي يظل دائماً حاداً ومتأزماً.
وبودي أن أبدي بعض الملاحظات حول حديث الشيخ صباح:
أولاً: علينا الاعتراف بأن الكويت ـــ وربما جميع دول المنطقة ـــ تعاني من فقر في البنية الفكرية السياسية، وضعف في التربية الديمقراطية ومن عدم القدرة على الالتزام بالضوابط عليها في الممارسة الديمقراطية، لأسباب كثيرة منها الحداثة ومنها قوة المتوارث ومنها الوضع الإقليمي العام، ومنها تواضع دور المؤسسات المدنية..
ويتضح هذا الفقر السياسي في الندوات والمناقشات وفي المداخلات وفي صياغة المواقف، مما يسبب حساسيات وتأزم ربما غير مقصود، ولكنه يفرز أجواء غير مريحة تأتي بالنقد الذي يوجه إلى الوزراء أو إلى الحكومة.
وبشكل غير لائق، سواء من النواب أو من المقالات وتعليقات الصحافة. والخبرة في ممارسة أصول الديمقراطية تأتي من تربية عامة للمجتمع، فيها الانضباط وفيها مفردات الحوار ومصطلحات التفاهم.
والفقر الفكري موجود في دول الجوار وموجود في دول عريقة مثل مصر التي كان لها دستور متطور عام 1922، ونلاحظ الآن التوتر والصدامات حول الانتخابات المصرية وقسوة التهم المتبادلة. وسنظل نحن في الكويت وفي المنطقة أسرى لغياب الخبرة الناضجة في العمل السياسي لسنوات طويلة..
ثانياً: لا يمكن فصل البرلمان عن الحكومة في الممارسة الديمقراطية، تخرج الحكومة من أحضان البرلمان، وتشكل معه وحدة متكاملة، وبدون ذلك لا تستطيع الحكومة ممارسة التشريع والتنفيذ، تجربة الكويت تعطي المجلس انفصالاً تاماً وتعطيه حق المعارضة الشاملة والدائمة، ويمارس المجلس هذا الحق حرفياً، ويسعى للحفاظ على حقوقه باعتباره المرجعية الوحيدة للتشريع.
وشعار الحكومة في الكويت هو التواصل والتعاون، وهو شعار لا يعتمد على مرجعية دستورية وانما على الرغبة في تحقيق المصالح المشتركة، وهي رغبة مستمدة في أريحية ونخوة، وليس من أغلبية برلمانية دائمة تملكها الحكومة، وتعتمد عليها في تمرير القوانين.
تسقط الحكومة عندما تفقد الأغلبية وتبحث عن ائتلافات مؤقتة، في كل تجارب العالم تظل حكومات الائتلاف مشلولة ومقيدة، وقابلة للمساومة، يمكن القول بأن وضع الكويت فيه الكثير من حكومات الائتلاف.
أمام حكومة الكويت ثلاث قضايا جوهرية: الدوائر الانتخابية، حقوق الشمال، والخصخصة وترشيد الانفاق، بعد نجاح موضوع المرأة.. يقول الشيخ صباح في تصريحه للسياسة بأن الحكومة ستكون قوية للقيام بهذه الأعمال وعازمة على تحقيقها.
وأتصور بأن مشروع الشيخ صباح المستنير الذي يصر على تنفيذه يحتاج إلى دعم من أعضاء المجلس، وهو أمر ليس بالسهل خاصة فيما يتعلق بتعديل الدوائر التي يريد بعض الأعضاء الحفاظ عليها بالشكل الحالي لأنها تتفق ومصالحهم.
ويحتاج موضوع التعديل إلى جهود سخية نحو الاقناع والشرح والتثقيف، وأخذ المبادرة في التحاور مع الرأي العام الكويتي، لأن أحاديث رئيس الوزراء هي مواقف رسمية تبدد الكثير من فوضى الاجتهادات، ومفيدة رغم ندرتها.
تجربة الكويت في فصل السلطات يحرم الحكومات من امتلاك الأغلبية البرلمانية التي تمكنها من التشريع، ولهذا لجأت الحكومة إلى فنون الاغراء والاقناع بالوعود وأنصاف الحلول وبسبب ذلك تفشت ممارسة الوساطة والتطاول على القانون، والتحرر من حيادية الدستور بسبب حاجة الحكومة لتأييد النواب، وأفرزت تجربة الكويت واقعاً غير مريح.
يقول رئيس الوزراء في حديثه إلى جريدة السياسة بأنه سيواجه بقوة أي محاولة تبذل لتعطيل هذه المشاريع، ربما مع الحسم الواضح الذي لا يترك مجالاً للشك ولا للغموض.
ومع الدور المرتفع الذي يقوم به رئيس المجلس في ترسيخ النهج المعتدل، نقول ربما تنجح الحكومة في إقرار القضايا الاستراتيجية التي تحملها حقيبة رئيس الوزراء.
ثالثاً: يمكن القول بأن نجاح الشيخ صباح في مشروعه التنموي السياسي والاقتصادي سيأخذ الكويت إلى فصل جديد في حياتها السياسية في ظروف خالية من التوتر وبوضوح في الجدية والحزم في القيادة، مع انحسار نهائي في الممارسة التقليدية في تفضيل أنصاف الحلول والتراضي الذي وصفها أحد النواب بشعار لا يموت الذئب ولا تفنى الغنم.
ونجاح برنامج الشيخ صباح يعيد الهيبة للعمل الوزاري، الذي صار طارداً ومنفراً، ويعيد الثقة في الحزم الحكومي ويوفر مصداقية التنفيذ، ويحافظ على سلامة القرار دون اضعاف، ويفرض هذا النهج تواصل القيادة في الحديث المباشر مع الرأي العام الكويتي، وان تتبنى ذلك نهجاً تقليدياً يزيل الالتباس ويريح البلاد والعباد.
ولعل الحديث الذي أدلى به السيد الفاضل رئيس مجلس الأمة إلى صحيفة السياسة يوم الأربعاء الماضي أبلغ دليل على دور الوضوح في ابعاد التشويش، يقول رئيس مجلس الأمة جاسم الخرافي إلى رئيس تحرير السياسة:
تصريحات رئيس الوزراء أثلجت صدري فهي الضربة القاضية لمروجي القال والقيل الدائر في مجتمع يحفل تاريخه بالعادات والتقاليد والأعراف التي تجمع ولا تفرق، وأنهت التصريحات جدلاً عظيماً يفسح المجال للفتنة، وأطلقت المسيرة بقوة نحو البناء والتنمية.
وينتظر أهل الكويت أن تضع القيادة مسار الكويت نحو درب الاعتدال المتوارث الذي صنع الكويت في فقرها وحافظ عليها في قرون الشدة ووصل بها إلى حياة الرخاء التي تعيشها الآن.
رئيس المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية ــ الكويت