المشرع العربي هو المشروع الذي شب عليه معظم المثقفين العرب واستمروا في دعمه، فقد رأوا فيه الوحدة السياسية، والهوية الثقافية، والوطن الواسع، والأمة الواحدة، وحلم القوة، في مواجهة تجمعات أجنبية شرسة. ويعد مشروع الوحدة هو الأقدم لدى المواطن العربي؛ فالعرب كانوا دوما يتطلعون إلى تكوين كيان موحد.

ويضرب هذا الحلم بجذوره في الثقافة والتاريخ، والجغرافيا، وترجع بذور المشروع السياسي العربي الحديث إلى القرن 19، أي حتى قبل انهيار الخلافة العثمانية، لكنه ازداد بعد انهيارها.

ولايزال أنصار المشروع العربي مخلصين للأفكار والطموحات العربية الهادفة إلى التحرر وتوحيد جميع الشعوب العربية ووحدة جميع الأراضي العربية.. وبينما يضيف الاشتراكيون العرب إلى هذه الأهداف »العدالة الاجتماعية« يضيف الليبراليون إليها هدف »الديمقراطية«.

وقد مر تبلور مشروع الوحدة العربية الثقافي ــ الوطني ــ الاستراتيجي عبر محطات عديدة خلال نصف القرن السابق. فمع اقتراب هزيمة العثمانيين وحلفائهم في الحرب العالمية الأولى، تطلع العرب إلى احتلال مكان لائق في مؤتمر صلح »فرساي« وعلى رد إيجابي على مطالبهم في الاستقلال والوحدة.

ولكن هذه الطموحات لم تتحطم فقط، بل بدأت عقود من العمل للمشروع البريطاني ــ الفرنسي ــ الصهيوني، لتقسيم الأقاليم العربية كمستعمرات أو وضعها تحت الانتداب الغربي، وشهدت سنوات ما بين الحربين مرحلة وسيطة تجاه مشروع الوحدة العربية الشاملة.

وكانت الجامعة العربية خطوة على طريق الوحدة منذ إنشائها، حيث انضم إليها عدد من الدول العربية وليس كلها عند بداية إنشائها.. وارتفعت عضوية الجامعة بحصول الدول العربية على استقلالها، ففي الخمسينات انضمت ليبيا، والسودان، وتونس، والمغرب إلى الدول السبع المؤسسة للجامعة.

وفي الستينات انضمت الكويت، والجزائر، وجنوب اليمن، وعمان، وفي السبعينات انضمت البحرين، وقطر، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وموريتانيا، والصومال، وجيبوتي، وأخيراً انضمت جزر القمر في التسعينات.

وإلى جانب زيادة عضوية جامعة الدول العربية، كان هناك تصور في نمو الأيديولوجية القومية العربية، حيث واصلت الأحزاب السياسية والمنظمات العربية المعنية بالوحدة العربية محاولاتها للوصول إلى اتفاقات ومشروعات الوحدة العربية.

وأعطت ثورة يوليو1952 بقيادة جمال عبدالناصر مشروع الوحدة العربية زخماً جديداً، فشخصية عبدالناصر وانتصاراته المبكرة على الاستعمار الغربي ومخططات الهيمنة (حلف بغداد 1955، ومبدأ إيزنهاور 1957) أعطيا الرؤية العربية قوة واضحة وأفضلية في أعين أغلبية العر.

وحتى النظم التي لم تشارك عبدالناصر نظرته، كان من السهل كبتها أو اجتياحها بإعلامه القوي. وقويت القومية العربية الناصرية أحياناً بالتحالف مع سوريا والعراق، وأحياناً أخرى كان هناك تنافس مع حزب البعث والأحزاب اليسارية العربية.

وتسببت مجموعة من الانتكاسات في أواخر الستينات، لا سيما هزيمة 1967 على يد إسرائيل، في تقويض حركة الوحدة العربية على نحو كان من الصعب تجاوز آثارها، ولفترة قصيرة بدت الرؤية العربية وكأنها قد استعادت عافيتها مع الأداء البارز عسكرياً ودبلوماسيا، في حرب أكتوبر 1973.

واندلعت بعد ذلك بقليل الحرب الأهلية في لبنان عام 1975 وقام السادات بمبادرته السلمية الفردية تجاه إسرائيل، وسار العراق على طريق الحرب مع النظام الإسلامي الثوري الجديد في إيران عام 1980، فهذه الأحداث.

وأخرى أدت إلى تقسيم العالم العربي أكثر مما كان عليه الحال قبل ذلك، وبدت الجامعة العربية عاجزة عن مواجهة هذه الانقسامات كما كان عليه الحال نتيجة نكسات العقود الأولى.

وشهد عقد الثمانينات لحظات محدودة من استعادة الرؤية العربية لعافيتها، فمصر التي جمدت عضويتها في الجامعة العربية نتيجة اتفاق السلام مع إسرائيل عام 1978 عادت مجدداً إلى الصف العربي.

كما تأسست ثلاثة تجمعات إقليمية فرعية سعياً وراء تعاون اقتصادي اجتماعي أوفق، وهذه التجمعات هي مجلس التعاون الخليجي الذي أنشئ عام 1981، ومجلس التعاون العربي، واتحاد المغرب العربي في عام 1989.. ومن ناحية أخرى فقد أدت الانتفاضة الفلسطينية في المناطق المحتلة إلى رفع الروح القومية العربية.

ولكن هذه الفترات القصيرة من الحماس لم تتحول إلى قوة دفع مستقرة، وسرعان ما أدى حدوث مفاجئ أشبه بالزلزال إلى تمزيق العالم العربي على نحو لم يحدث من قبل ذلك في التاريخ الحديث.

وهو الغزو العراقي للكويت في الثاني من أغسطس، فقد انقسمت الأنظمة والشعوب في العالم العربي، وتشكل سريعاً تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، انضمت إليه بسرعة مصر وسوريا ودول مجلس التعاون الخليجي والمغرب، من أجل المساعدة في تحرير الكويت.

ونتيجة التعنت العراقي، اندلعت حرب الخليج الثانية (16 يناير 1991) وكانت المحصلة تحرير الكويت وهزيمة العراق مع تدمير الكثير من بنيته التحتية، وتهددت وحدثت الإقليمية في الشمال »الأكراد« وفي الجنوب »الشيعة«. وتعتبر حرب الخليج الثانية وانتهاء الحرب الباردة (1945 ــ 1990) المسؤلين الرئيسيين عن حالة السيولة التي يشهدها الوضع الإقليمي.

وبعد مرور سنوات عدة على حرب الخليج الثانية، تم احتلال العراق، صار العالم العربي يلعق جراحه، واتسعت قائمة الدول العربية التي تخضع للعقاب الدولي، وشمل هذا العقاب قائمة من الدول: السودان، وليبيا، والعراق، وهذه الأيام تظهر على الساحة سوريا، فالدور عليها في سلسلة ضرب الدول العربية والإسلامية.

وإبان هذه الانتكاسات، كانت هناك بعض الإيماءات الإيجابية عن إعادة إحياء المجتمع المدني والتقدم على طريق التحول الديمقراطي في العالم العربي، فقد شهدت موريتانيا، والمغرب، والجزائر، وتونس، والأردن، ومصر، ولبنان، والكويت، انتخابات برلمانية تنافسية في السنوات التالية لحرب الخليج، كما قدمت النظم السياسية في الخليج شكلاً من المشاركة السياسية، أخذ شكل »مجالس شورى«.

وذلك عن طريق التعيين، في أسلوب شبه اتحادي، أعضاء يمثلون القطاعات القائدة والمقاطعات، والجماعات المهنية الرئيسية، ومجالس الشورى هذه تمتلك حق مراجعة السياسات العامة واقتراح تغييرات أو سياسات جديدة معاً.

وتعتبر الكويت والبحرين استثناءً ديمقراطياً بارزاً، بينما بقية دول مجلس التعاون الخليجي فلديها سياسات ديمقراطية تسير ببطء على طريق الإصلاح، لكنها في كل الأحوال خطوات إلى الأمام تجاه الديمقراطية.

وقد تضاعف عدد المنظمات غير الحكومية العربية ومؤسسات المجتمع المدني الأخرى تقريباً خلال الفترة من 1995 إلى 2005، كما عقدت سلسلة من المؤتمرات الدولية في عقد التسعينات من القرن الماضي ومطلع القرن الحالي.

والتي أدت إلى تعزيز البعدين الكمي والكيفي للمجتمع العربي، مثل قمة الأرض في »ديو« 1992، ومؤتمر حقوق الإنسان في فيينا عام 1993، والمؤتمر الدولي للسكان والتنمية في القاهرة 1994، وقمة »كوبنهاغن« للتنمية الاجتماعية 1995، ومؤتمر المرأة العالمي في بكين عام 1995.

وقمة الغذاء العالمي في بكين 1995، وقمة الغذاء العالمي في روما 1996، ويلاحظ دارسو المنظمات الدولية والحكومية الدور المتزايد للمنظمات غير الحكومية في عمليات الديمقراطية، والسلام، والتنمية.

وقد أدت الانتفاضة الفلسطينية وسرعة المقاومة المسلحة السورية واللبنانية في مواجهة إسرائيل إلى كسب بعض النقاط لدى مؤيدي المشروع العربي، بغض النظر عن شكوك بعضهم تجاه نظام الأسد أو حزب الله الشيعي.

لكن ضرب العراق وتفكيكه، ثم شد الخناق على سوريا، ورحيل عرفات، والحريري، وغيرهما من الشخصيات الكبيرة والمؤثرة مثل الشيخ زايد، طيب الله ثراه، جعل المشروع الوحدوي يتعرض لمزيد من الضعف، لاسيما مع عدم وجود برامج راسخة لإنجاز الأهداف القومية العربية، وغياب استراتيجيات عملية واضحة لزيادة الترابط بين الدول العربية.

ولذا فإن الرؤية العربية في المرحلة الراهنة، ليست في أفضل أوضاعها، فميزان الحساب منذ منتصف السبعينات سلبي تماماً، بل إن حدة الحديث عن الوحدة العربية قد خفت! ومن ثم فالأمر كله بحاجة إلى مراجعة وتفحص وإعادة نظر، حتى تعرف هذه الأمة إلى أين يتجه مصيرها.

منسق أكاديمي ــ جامعة الإمارات