زار الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان العراق مؤخراً بشكل مفاجىء، وواضح أن الدافع الأول لتلك الزيارة كان تشجيع الاطراف العراقية كافة على حضور مؤتمر المصالحة الذي تبنته الجامعة العربية ممثلة بأمينها العام الدكتور عمرو موسى.
ورأى عنان بأم عينيه العراق الذي لا يشبه العراق الذي زاره عام 1997 وتيقن أن لا مركزية لأحد هناك وأن الحكومة مسجونة في قلعة خضراء والآخرين يمارسون ما يملى عليهم إما من خارج الحدود أو من ضميرهم والفرق بين الاثنين واسع.
التقى عنان بأغلب الحركات السياسية وبالطبع من قبلها برئيس الحكومة المؤقتة الذي حاول أن يؤكد للامين العام للأمم المتحدة ان العراق في عصر ربيعي خلاق وان العلاقة الآن بين الحاكم والمحكوم هي النموذج الأول في المنطقة، فلا سجون سرية ولا تعذيب ولا اعدامات دون محاكمات .
ولا أي ممارسة خارجة عن القانون أو اعراف حقوق الإنسان.. ربما صدّق الرجل ثم مضى في برنامج لقاءاته مع الشخصيات والهيئات العاملة في الساحة العراقية الآن سواء الموالية للاحتلال أم الرافضة له وكانت أحاديثه وما سمع يدور في أفق مؤتمر المصالحة وحدود المشاركة فيه.
الحدث الذي صعق عنان أخلاقياً هو ما سمعه من بعض ممثلي العرب السنة في هيئة العلماء وفي الجبهة العراقية للحوار الوطني عن المئات من المختطفين والمعتقلين من قبل ميليشيات (أكرر مليشيات) مدعومة من قبل الحكومة .
والذين يتعرضون للتصفية لاحقا بعد تعذيبهم واستحصال معلومات عن أقاربهم ونشاطاتهم الثقافية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.. لم يصدق عنان ما سمع فقالوا له ان البينة موجودة لدينا كنموذج واحد فقط من بين عدة نماذج نعلم بعضها ونجهل الآخر..
وأعطوه العنوان (قبو في منطقة الجادرية ببغداد).. اخذ عنان العنوان وأعطاه إلى مسؤول في القيادة الأميركية في العراق ثم داهمت القوات الأميركية المكان ونزلت إلى قبوه لتفاجأ بالعشرات (173 شخصاً) الذين أدماهم التعذيب البشع والوحشي، ومن هول المفاجأة قام الجنود الاميركان باسعاف ومحاولة تخفيف آلام المعتقلين ثم اعتقلت من كان قائما عليهم فوراً.
المفاجأة الأخرى أيضا بالنسبة لقوات الاحتلال ان السجن الكبير هذا ووسائل التعذيب الوحشية فيه لم تكن تابعة للحكومة بشكل رسمي بل كانت لمليشيا ذات نفوذ كبير في الداخلية العراقية!
الحكومة العراقية لم تستطع اخفاء الأمر كما أنها لا تستطيع الاعتراف بوجود قوى داخل قوى الحكومة الرسمية تحركها أصابعهم الخفية فخرجت باعتراف عن وجود عمليات تعذيب في أحد سجون وزارة الداخلية وأن تحقيقاً سيجري لمعرفة أسباب هذه التجاوزات!
هكذا بكل بساطة يعتقل العراقي ثم يعذب ثم يقتل ثم يرمى بحفرة أو على قارعة طريق دونما أي تبعات.. ولا ادري كم سيصبر الناس هناك على قسوة وجبروت قوات الاحتلال واجتياحها لمدنهم وقراهم بين الحين والحين من جهة .
وعلى دسائس وجرائم الليل والنهار التي ترتكب كل يوم بملابس رسمية وغير رسمية بحق مفكرين وسياسيين وضباط ورجال دين كان لهم ذات يوم موقف أو مازالوا؟
الكلام للأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان وللإدارة الأميركية وربما بتركيز اقل كثيراً للحكومة المؤقتة.. ها انتم قد علمتم بما يجري في العراق من ظلم وقهر وجرائم وبعد العلم تكون دائما.. المصيبة أعظم؟
Alkhattab26@hotmail.com