تشهد العلاقات العربية الأوروبية بوادر فتور، كما أنها مرشحة لحالة من التراجع بعد تبني الدول الأوروبية لمشروع بيان في اجتماع الدول الأورومتوسطية ـــ يورميد ـــ يتضمن إدانة للأعمال الإرهابية، والذي يشمل ضمنياً أعمال المقاومة ضد المدنيين بأنها أعمال إرهابية، في إشارة لأعمال المقاومة الفلسطينية الموجهة للمدنيين الإسرائيليين.

ومن المؤسف حقاً أن تشهد العلاقات العربية الأوروبية هذا التراجع بعد حوالي ثلاثة عقود من التطور المطرد. فالعلاقات العربية الأوروبية شهدت تحسناً على المستويات السياسية والثقافية والاقتصادية منذ بداية الحوار العربي ـــ الأوروبي في منتصف السبعينات، فسياسياً أيدت الدول الأوروبية ـــ تحت مظلة الجماعة الأوروبية في ذلك الوقت ـــ الدعوة لعقد مؤتمر دولي للسلام.

ومطالبة إسرائيل بالانسحاب من الأراضي العربية التي احتلت في عام 1967، بما فيها الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية. ولقد رفضت الدول الأوروبية على مدى العقود المتوالية سياسة الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة.

كما رفضت السياسات الإسرائيلية لتهويد القدس. فضلاً عن ذلك قامت الدول الأوروبية بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية على أنها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني. كما دعمت السلطة الوطنية الفلسطينية ومؤسساتها بعد اتفاق أوسلو.

أما اقتصادياً، فقد تنامت العلاقات العربية الأوروبية، خاصة بين الدول العربية المطلة على البحر المتوسط ودول الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي أدى لتوقيع اتفاقية الشراكة الأوروبية ـــ المتوسطية، لتضم معظم الدول العربية المطلة على البحر الأبيض باستثناء سوريا وليبيا، ومع أن اتفاقية الشراكة الأوروبية المتوسطية مكنت الشركات الأوروبية من الدخول للأسواق العربية.

إلا أنها من جانب آخر سهلت على عدد من الدول العربية المطلة على البحر المتوسط الوصول بصادراتها الصناعية، وبعض المنتوجات الزراعية من الدخول إلى الأسواق الأوروبية بدون رسوم جمركية، فضلاً عن تقديم مساعدات فنية وتمويل المشروعات التنموية، عبر مؤسسات الاتحاد الأوروبي، خاصة في مصر والمغرب وتونس والأردن.

أيضاً على المستوى الثقافي، شهدت العلاقات العربية الأوروبية نمواً وتطوراً خلال العقود الماضية. حيث مثلت الندوات الفكرية أحد أهم آليات وبلورة الرؤى والأفكار بين النخب الفكرية وصناع القرار في أوروبا والعالم العربي.

ولقد كانت ندوة جامعة فينس في عام 1977 نقطة تحول في الحوار الثقافي العربي ــــ الأوروبي، ثم استمر ذلك التواصل في ندوات عديدة أهمها ندوة هامبرج في عام 1983، وأخيراً مثل إنشاء معهد العالم العربي في باريس معلماً حضارياً وفكرياً على عمق التواصل والتفاهم الثقافي العربي الأوروبي.

ثم بعد هذا التطور الإيجابي في العلاقات العربية ــــ الأوروبية، جاءت أحداث 11 سبتمبر الإرهابية، وتفجيرات يوليو في مدريد لتمثل نقطة تحول في العلاقات.

فبعد تلك الأحداث تغير الاهتمام الأوروبي السياسي من الاهتمام بحل القضية الفلسطينية إلى أولية محاربة الإرهاب، وأصبحت المشاورات والمطالب السياسية الأوروبية منصبة على قضايا الإصلاح في المنطقة العربية.

ويبدو أن الضغوط الأميركية نجحت في دفع الأوروبيين لتبني بعض المواقف السياسية الأميركية المهمشة لأولوية حل القضية الفلسطينية وإحلال السلام في المنطقة.

وبذلك استغلت إسرائيل هذه الظروف لتحويل الاهتمام من أسباب الصراع والتوتر في المنطقة، والمتمثل في الاحتلال وسياسات القمع الإسرائيلية، إلى مطالبة الأوروبيين بالضغط على الفلسطينيين لوقف أعمال المقاومة، التي تتهمها إسرائيل بأنها أعمال إرهابية.

وبالتالي تمكنت إسرائيل والولايات المتحدة ـــ جزئياً ـــ من إضعاف الدور الأوروبي التقليدي الداعي للانسحاب الإسرائيلي وتطبيق القرارات الدولية لإحلال السلام في المنطقة.

وعلى الساحة الثقافية شهدت الحوارات العربية ـــ الأوروبية تراجعاً مماثلاً، على الأقل من حيث طبيعة القضايا المطروحة، فتحول تركيز معظم الحوارات والندوات من مناقشة تفعيل الدور الأوروبي في العملية السلمية لحل الصراع العربي الإسرائيلي .

وممارسة ضغوط على إسرائيل، إلى مناقشة قضايا التطرف الفكري والديني في المنطقة العربية، بافتراض أن ثقافة العنف والإرهاب هي وليدة ثقافة عربية إسلامية منغلقة، تتطلب المراجعة والإصلاح، لخلق وإشاعة ثقافة التسامح والحوار.

وبذلك تغيرت النظرة الأوروبية للثقافة العربية والإسلامية، من أنها تاريخياً كانت ثقافة حضارة وذات دور نهضوي في قرية التنوير الأوروبي، إلى أنها ثقافة معاصرة للتطرف والجهاد والعنف والقتل ومحاربة الغرب وفكره العلماني، وبذلك أصبحنا في قفص الاتهام.

إن ما يدعو للألم، أنه في ظل هذه التحولات الجوهرية السياسية والثقافية في الموقف الأوروبي، نشهد غياب معظم الزعماء العرب، باستثناء الرئيس الفلسطيني محمود عباس وأمين الجامعة العربية عمرو موسى، عن الاجتماع الأورومتوسطي ـــ يورميد ـــ الأخير في برشلونة، الأمر الذي يفوت الفرصة على العرب في الإبقاء.

واستمرار التواصل والحوار السياسي مع الزعماء الأوروبيين، لحثهم على دفع دورهم في عملية السلام والضغط على إسرائيل للالتزام بالقرارات الدولية الراعية للانسحاب من الأراضي المحتلة لإحلال السلام في المنطقة.

أخيراً، في تقديرنا أن تراكم ثلاثة عقود من العلاقات المتنامية والإيجابية بين الغرب والأوروبيين معرضة لانتكاسة كبيرة، ولخسارة فادحة للعرب على الساحة الدولية.

ولذا على الدول العربية العمل، عبر الجامعة العربية ومؤسسات الشراكة الأوروبية المتوسطية، من أجل المحافظة على زخم العلاقات العربية ـــ الأوروبية الجيدة حتى لا نخسر مكتسبات عمل مضنٍ تحقق بفضل آليات الحوار العربي ـــ الأوروبي.

كاتب سعودي