أيا تكون النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية المصرية، وقد انتهت المرحلة الثانية للعملية الانتخابية وتبدأ خلال أيام المرحلة الثالثة والنهائية، فان هناك اجماعاً بين المراقبين على استخلاصين مرتبطين عضوياً:
أولاً: إنه رغم ما شاب عمليات الاقتراع من تجاوزات حزبيه وحكومية فان العملية الانتخابية المصرية توفر لها قدر ملموس من الشفافية التنافسية، خاصة اذا ما قورنت بعمليات مماثلة في أنحاء العالم العربي الأخرى.
ثانياً: أن الحركة الإسلامية ممثلة في حزب »الاخوان المسلمين« أثبتت وجودها من خلال عمليات الاقتراع.
وأقول ان هذين الاستخلاصين مرتبطان لأنه لولا ذلك القدر من الشفافية التنافسية لما تحقق لجماعة »الإخوان« المعارضة ذلك الكسب النسبي الذي يتيح لها مع نهاية المرحلة الثالثة الاستئثار بربع مقاعد البرلمان وبالتالي تصير القوة البرلمانية الثانية بعد »الحزب الوطني« الحاكم مباشرة.
ومن هنا يمكن القول إن مصر مقدمة حقاً على تغيير سياسي نوعي ووشيك.
وبقدر ما دهش المراقبون من الصعود السياسي الذي حققه الإسلاميون فإنهم دهشوا من مدى الهبوط اللافت في شعبية أحزاب المعارضة الأخرى التي يطلق عليها نعت »العلمانية«. وهذا مما يؤكد أيضاً على الشفافية التنافسية النسبية لعمليات الاقتراع رغم كل ما جرى من تجاوزات لا تخلو من العنف.
لذلك نأمل أن تلتفت دول عربية أخرى إلى هذه التجربة الانتخابية المصرية بقدر ما نأمل أن يبرهن الإسلاميون في مصر من خلال مسلكهم البرلماني المرتقب أنهم ملتزمون بقواعد اللعبة الديمقراطية.
ونعرف أنه في عدد من البلدان العربية التي تدعي لنفسها تطبيق النظام الديمقراطي الليبرالي يفرض حظر كلي أو جزئي على بعض أحزاب المعارضة.
تستوي في ذلك الأحزاب العلمانية والأحزاب الإسلامية.. وبالتالي تخلو العملية الانتخابية من أي حد أدنى من الشفافية التنافسية.
ونعرف أنه في مطلع التسعينات أطاح الجيش الجزائري بالنظام الديمقراطي عندما اكتسحت »جبهة الإنقاذ الإسلامي« الانتخابات البرلمانية مما أدى إلى اشتعال حرب أهلية طويلة بعد أن لجأ التنظيم الإسلامي إلى القوة المسلحة في مواجهة المؤسسة العسكرية.
إن ميزة النظام الديمقراطي على غيره هي أنه يؤدي عن طريق الانتخابات النزيهة، حتى ولو بقدر نسبي، إلى تحديد الأحجام الحقيقية للقوى السياسية المختلفة.
ولكن لا يمكن أن يكتب البقاء لأي نظام ديمقراطي اذا لم تلتزم كافة القوى السياسية دون استثناء بقواعد اللعبة الديمقراطية فتتقبل نتائج الاقتراع النهائية، انتصاراً كانت أم هزيمة ريثما تهيىء نفسها لجولة انتخابية تالية.
من خلال العملية الانتخابية المصرية مورست مداهمات واشتباكات وبلطجة واعتقالات وشراء أصوات.
لكن مع ذلك كله كان هناك قدر من التنافس الشريف إجمالاً.. وإلا كيف سقطت رموز قيادية من الحزب الحاكم وضاعف الإسلاميون من حضورهم البرلماني؟