فجأة ومن دون مقدمات يطلع إلى العلن خطاب سوري ــ لبناني ملفت، في دفئه ووده. بدا وكأنه يبشر ببداية عودة للبلدين الشقيقين، من رحلة افتراق باردة. أو بداية خروج من نفق مظلم. فهو كان لافتاً في لحظته؛ كما في خروجه على المألوف السائد، منذ أكثر من سنة.
صحيح أن مفردات هذا الخطاب وردت في لقاء على هامش مؤتمر دولي، وليس في لقاء رسمي مخصص للبحث في واقع العلاقات السورية ـــ اللبنانية، وكيفية تحسينها. لكن الصحيح أيضاً أن مثل هذا الكلام ـــ خاصة من الجانب السوري ـــ كان خارج التداول تماماً.
لا في الرسميات ولا في المجاملات. وإذ من غير سابق إنذار، تبادر دمشق إلى كسر الجليد، ويرد لبنان بالمثل. ومن هنا أهمية هذا التحول، الذي وضع الجارين أمام امتحان تطويره وتفعيله.
فليس أمراً عادياً، بعد كل الذي حصل، أن يتحدث وزير الخارجية السوري، فاروق الشرع، في برشلونة وأمام الكاميرا والميكروفون عن فتح »صفحة جديدة«، بين لبنان وسوريا؛ منوهاً باجتماعه مع رئيس الحكومة اللبنانية، هناك، على أنه كان »ناجحاً وبناء«.
كما أنه ليس من غير مغزى أن يتعمد الوزير السوري لقاء السنيورة في المكتب الخاص بالوفد اللبناني في مؤتمر برشلونة؛ ليعلن بعد الاجتماع أن بلاده »ترحب بدولة الرئيس في زيارة دمشق لتفتح صفحة ايجابية وودية«.
وليس ذلك فحسب بل هو حرص على التأكيد بأن سوريا ولبنان »أخوة وأشقاء وجيران واستقلالنا الوطني مهم، كل طرف للآخر«. وزيادة في التطمين وتنقية الأجواء أعلن في خطابه أمام المؤتمر عن لبنانية مزارع شبعا، التي أثارت حساسيات وخلافات معروفة حولها بين لبنان وسوريا، بل ذهب إلى حد القول إننا نحن وأشقاؤنا في لبنان متفقون على كل شيء«.
كلام جديد ويدعو إلى التوقف عنده، على الأقل لأنه يأتي على خلفية علاقات تدهورت من النفور إلى الجفاء إلى حدود القطيعة، ناهيك عن التراشق الساخن بالاتهامات والأوصاف، فقد غاصت عميقاً وكادت ان ترتطم بقاع الهاوية.
وهي مازالت مثقلة بالرواسب والإرتياب، لكن مثل هذه اللغة الطيبة، التي لم يكن لها مكان على خط التعامل بين بيروت ودمشق في مرحلة كاد ان يستبد بها العداء المتبادل، أوقفت التدهور السريع في العلاقات بينهما، وفتحت كوة في جدار التوتر، يمكنها أن تكون المدخل إلى عودة الأمور الى سويتها، إلى حيث يجب ان تكون.
الآن، هذه الصفحة الجديدة، المرغوب فتحها، أمامها استحقاقات قد تكون قاسية، من التحقيق في قضية اغتيال الرئيس الحريري، إلى تصحيح العلاقات.
وإزالة الرواسب وعبور حقول عدة ملفات ملغومة، الصدقية والمصالح الحيوية المشتركة، ناهيك بالأخوة والمصير المشترك، كلها على المحك، فالاختبار الحقيقي يكمن في القدرة لدى الطرفين، على تذويب الجليد بعد كسره.