يمكن القول اليوم، ومن غير مجازفة، إن أجواء واشنطن باتت تشير بوضوح، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن »الانسحاب التدريجي« لقوات الاحتلال الأميركي من العراق، خلال العام المقبل، صار مسألة تحصيل حاصل. لم يعد في خانة إذا حصل، بل في خانة »متى« يحصل وبأي حجم؟

الرياح الأميركية الداخلية، النافخة في شراع مركب هذا التوجه، بلغت درجة من القوة، لم تعد معها إدارة الرئيس بوش قادرة على الوقوف بوجهها ومواصلة المعاندة التي تسلحت بها.

الخسائر البشرية والاعتبارات السياسية الداخلية، مع الضغوط المتزايدة لتيار أميركي ــ سياسي وإعلامي وشعبي ــ متنام في اعتراضه على الاستمرار في الحرب، كلها أدت إلى حشر البيت الأبيض في الزاوية، وحملته على تبديل لهجته وبما يفيد بأنه بات على استعداد للبدء في تقليص القوات الأميركية، مع دخول عام 2006، وذلك بحد ذاته نقطة تحول في مسيرة الحرب.

وليكون التحول هذا في الاتجاه الإيجابي فلابد من أن يواكبه وفاق عراقي تدريجي، بحيث لا يحصل أي فراغ، لا تقوى الساحة العراقية على احتماله، بسبب عمق أعطابها.

فكرة تحديد وقت ولو تقريبي، لانسحاب ولو جزئي، كانت غير واردة في حسابات إدارة الرئيس بوش، وضعت، من البداية، أجندة كبيرة لتتلطى خلفها وتبرر بقاءها المديد المرتبط بمشاريع على مستوى المنطقة. لكن حساب الحقل لم ينطبق على حساب البيدر.

الحرب، وباعتراف الأميركيين، تعثرت، ثم ان انتخابات الكونغرس ــ كل مجلس النواب وثلث مجلس الشيوخ ــ باتت على مقربة أقل من سنة، الرأي العام الأميركي بدأ تأففه وتذمره من الحرب يتحول الى تيار، رصيد الرئيس وصل الى أدنى درجات، وكان بنتيجة هذا المزيج ان اشتد عود المطالبين بالبدء في الانسحاب من العراق.

بل ثمة من راح يطالب الرئيس بتحديد سقف زمني ثابت للمغادرة النهائية، من هناك.فريق المحافظين الجدد مع أنصارهم، المطالبين بزيادة القوات وحسم الحرب عسكرياً تضاءلت صفوفهم أمام رجحان كفة خصومهم.

اليوم يدور الحديث عن تقليص 40 إلى 50 ألف جندي خلال العام المقبل على ان ينزل حجم القوات إلى تحت المئة ألف مع العام 2007. والبعض يطرح صيغة لتمركز القوات المتبقية، بعد ذلك التاريخ »خارج الحدود العراقية«.

الواضح من كل ذلك ان المخاوف تتزايد على الساحة الأميركية من ان يتحول العراق إلى ورطة كبيرة. وثمة من تحدث صراحة عن فيتنام ثانية، اذا بقيت الحال على ما هي عليه.

وهذه المخاوف بدأت تشق طريقها، نحو فرض »الانسحاب التدريجي«. وأي انسحاب لأي احتلال هو نعمة، لكن قد ينقلب إلى نقمة، بل كارثة، في العراق، اذا لم يواكبه وفاق وطني عريض يحل مكانه، فالمأزق في العراق سياسي بالأساس.

تدريب قوات عراقية لا يساعد وحده، من دون توافق سياسي، على تجاوزه، وبالتالي بقدر ما يصير الانسحاب الأجنبي أمراً واقعاً بقدر ما ينبغي ان يصبح الوفاق مسألة حتمية، وإلا فالبديل كارثي.