يبدو أن علينا جميعاً أن ننسى كل ما تعلمناه في كليات الإعلام ومعاهد الصحافة عن دور الإعلام وأهدافه، فالظاهر أن مدرسة سيمون أسمر هي المرشحة للصعود والسيادة خلال العقود المقبلة بعد أن أصبح لها تلاميذها ومريدوها في الوسط الإعلامي، والتلفزيوني على وجه الخصوص.
أحد هؤلاء مذيع تنقل بين خمس محطات تلفزيونية واستقر مؤخرا في قناة موسيقية، أتحفنا قبل أيام بتصريح صحافي خطير أكد فيه اقتناعه بأن هدف الإعلام الأول والأساسي هو الترفيه فقط!
وعندما نبهه محاوره إلى أنه قد تجاهل أن للإعلام أهدافا أخرى منها التثقيف والتعليم وغيرها من الأهداف الجادة غير التسلية والترفيه أجاب بثقة وإصرار:
»التعليم في المدارس والجامعات، ومن يرغب في التثقيف عليه بقراءة الكتب والتواجد في المحاضرات والمنتديات التي تعزز ثقافته. وإنسان هذا العصر الذي يكد ويكدح ويعاني الأمرين للحصول على لقمة العيش يرغب في الترفيه عن نفسه المجهدة!
هذه المدرسة التي تتخذ من الترفيه، والترفيه فقط شعارا لها تأسست منذ سنوات على يد المخرج سيمون أسمر، وكان هو رائدها الذي ألغى كل أهداف الأعلام الأخرى المتعارف عليها وأبجدياته التي تدرس في كل جامعات الدنيا.
وأبقى منها على هدف واحد فقط هو الترفيه الذي لا نختلف على أنه هدف يتفق معنا عليه كل أساتذة الإعلام ومدارسه المختلفة، لكنه ليس الهدف الأول ولا هو بالهدف الأساسي الذي يجب أن نركز عليه ونحن نخطط لأجهزة إعلامنا.
وإلا كان علينا أن نلغي المدارس والجامعات وربما دور العبادة، ونحولها إلى مراقص وديسكوهات بحجة أن (إنسان هذا العصر الذي يكد ويكدح ويعاني الأمرّين للحصول على لقمة العيش يرغب في الترفيه عن نفسه المجهدة ) فقط ولا حاجة به لأي شيء آخر كما يرى أساتذة مدرسة الترفيه وخريجوها.
نحن لسنا ضد تطوير أهداف الإعلام وتنويعها، لكننا ضد تسطيح عقل المشاهد والاستخفاف به إلى الدرجة التي ندعي فيها أنه لم يعد ينقصه في هذا العصر سوى الترفيه.
ونحن ندرك جيدا أن هدف المروجين لهذه النظرية مادي بحت لا ينظر إلى أبعد مما سوف تدره الرسائل والمكالمات الهاتفية على جيوب ملاك هذه القنوات، حتى لو ادّعوا – كما ينقل المذيع صاحب التصريح عن مالك المحطة التي يعمل بها أنهم يمسكون بالعصا من النصف.
وأنهم يمزجون بين الهدف التجاري والإنساني، رغم أننا لا نختلف معهم على أن الفن رسالة، لكنها مقولة حق أريد بها باطل، فتحت هذا البند تحولت قنواتنا الفضائية إلى ساحات للإسفاف والابتذال.
وعرض الأجساد والغزل المكشوف و تبادل أرقام الهواتف وضرب المواعيد الغرامية على الهواء مباشرة. فأين هي الرسالة التي يدّعي أصحاب هذه القنوات والعاملون بها أنهم يحملونها، وأين هو السمو الذي يفترض أن تحمله رسالتهم؟
رب قائل يقول إن طبيعة العصر تقتضي التخصص، فقد مضى عهد المحطة الشاملة التي تجمع بين الأخبار والتثقيف والترفيه (أعمدة الرسالة الإعلامية الثلاثة) وأصبحت الضرورة تقتضي أن تكون هناك القناة الإخبارية، والقناة الثقافية.
والقناة الغنائية، والقناة الرياضية، والقناة العلمية، و القناة الاقتصادية ... إلى آخرما تفرضه رغبات المشاهدين وتستدعيه احتياجاتهم.
وهي وجهة نظر سليمة، بل إنها وجيهة ومقنعة في ظل التطورات التي تشهدها مجتمعات عصرنا، ونظرا لطبيعة العصر المتسارعة التي لا تترك فرصة لالتقاط الأنفاس.
مما يقتضي تكثيف الجرعة الإعلامية الموجهة للمشاهد وفرزها كي تتفق مع ميوله واهتماماته وتصل إليه في وقت أسرع وبجهد أقل، وبذلك يجد كل مشاهد ما يود متابعته مفروزا ومكثفا، فيتجه المهتمون بالأخبار والبرامج السياسية إلى القنوات الإخبارية.
ومن يهوى مشاهدة الأفلام يجد أمامه قنوات الأفلام بعروضها العربية والأجنبية، وكذلك يفعل الأطفال فيتجهون إلى قنواتهم التي تخلصت من مزاحمة برامج الكبار لبرامجهم.
وتبقى القنوات الغنائية والموسيقية متنفسا لهواة الغناء والموسيقى على اختلاف أنواعها من كلاسيكية إلى شبابية عربية وأجنبية. فما هي المشكلة إذن إذا اتفقنا على أن هذه التقسيمة عادلة ومنطقية؟!
المشكلة ليست في التخصص الذي قلنا إنه الأنسب لطبيعة العصر وإنسانه، لكنها في عدم مراعاة الحد الأدنى من المستوى الأخلاقي الذي يجب أن تلتزم به هذه القنوات من حيث المحافظة على ذوق المشاهد.
و البعد عن الإسفاف، خاصة وأن من يقبل على مشاهدة هذه القنوات الغنائية هم غالبا من فئة الشباب ( إناثا وذكورا ) ممن تتشكل أذواقهم وأمزجتهم وشخصياتهم في هذه السن المتعارف على تسميتها بسن المراهقة.
وهي سن خطيرة من السهل التلاعب فيها بعواطف الشباب، ومن السهل فيها إغواؤهم عن طريق الكلمة واللحن والموسيقى و الغناء والصورة المصاحبة لكل ذلك.
ولو توفر لنا من يقوم بدراسة علمية تتناول ما يعرض على القنوات الغنائية من أغانٍ مع التركيز على هذه العناصر الخمسة لأدركنا حجم ما تملكه هذه القنوات على شبابنا من سلطة.
وما تمارسه من نفوذ يشكلان في النهاية توجهاتهم، ويحددان اهتماماتهم و يصوغان شخصياتهم، وهم الجيل الذي يفترض فيه أن يستلم الأمانة و ينهض بأعباء المجتمع.
وكي لا نتهم بالتحامل على القنوات الغنائية بدافع الحسد أو الغيرة وأشياء أخرى، نقول إن الخروج على أهداف الإعلام وغاياته النبيلة ليس حكرا على هذه القنوات وحدها، فالقنوات الإخبارية على سبيل المثال تفعل ذلك عندما تفسح المجال للإرهابيين .
ورسائلهم وأشرطتهم كي ينشروا الرعب بين الآمنين من البشر، وقنوات الحوار تخرج على هذه القواعد عندما تغذي النعرات الطائفية وتكرس الخلافات المذهبية بإثارة الجدل حولها.
وقنوات الأطفال تفعل أكثر من ذلك عندما تحشو برامجها بما لا يتفق مع ديننا وعاداتنا وتقاليدنا وكل ما لا يتناسب مع عقول الأطفال لملء ساعات بثها الطويلة، محطمة بفعلها هذا كل القيم التي نحاول تربية أبنائنا عليها.
لذلك كان مهما معرفة توجهات العاملين في هذه الأجهزة الإعلامية الخطيرة وأهداف من يملكونها، وقرع الأجراس لمؤسسات المجتمع المختلفة كي تنهض بأدوارها الحيوية، لأن سلطة اتخاذ القرار في ظل العولمة التي يشهدها عصرنا، وفي ظل الانفتاح الذي نعيشه أصبحت غير واضحة المعالم.
هل هي في يد الحكومات التي أفلت من يدها الزمام ولم تعد لها سلطة عليها بعد أن أصبحت ملكيات فردية تعمل بطريقة ربحية لا تقيم وزنا للقيم والأخلاق التي تتوارى عندما تطل المصلحة برأسها، أم هي في يد أصحاب هذه القنوات الذين تحددت غاياتهم وأهدافهم في جني الأرباح وزيادة أرصدتهم بغض النظر عن الوسائل.
أم هي في يد العاملين في هذه القنوات الذين لا يستطيعون الخروج عن سياسيات أولياء نعمتهم، أم هي في يد المشاهدين الذين يمسكون بأجهزة الريموت كونترول يوجهونها حيثما شاءوا ويملكون سلطة الضغط على أزرارها لوقف هذه المهازل أو استمرارها؟
سؤال سوف يبقى محلقا في الفضاء بينما تتكاثر هذه القنوات كل يوم حوله وحولنا، وتنتشر كالخلايا السرطانية لتنخر في أجسام مجتمعاتنا إلى أن نجد الوسيلة الفعالة للحد من انقسام خلايا هذا الوباء الذي هو أشد خطرا وفتكا من السرطان.
aliobaid2000@hotmail.com
كاتب اماراتي