تلقيت رسالة عبر البريد الإلكتروني رداً على موضوع كتبته في »البيان« تحت عنوان: »الأميركيون العرب مكاسب وهموم«.

يقول صاحبها: »إن هموم العرب المسلمين عامة أكبر من هموم العرب الأميركيين، ولو كان المسلمون حالياً يعيشون في ظل الديمقراطية الحقيقية ويتمتعون بحرية التفكير والإبداع، لطغت إنجازاتهم وعمت وأثرت بشكل قوي لأن هذا ما يدعو إليه الإسلام، وما نحتاج له في يومنا هذا.

أعتقد أن هذا ليس رأي المرسل فحسب، بل رأي أغلبية الشعوب العربية والإسلامية، خاصة وأننا نعيش في عصر يشهد ازدياداً مستمراً في عدد المسلمين، فهم يشكلون ثاني أكبر الديانات في العالم.

حيث تمتد الدول الإسلامية من آسيا إلى إفريقيا وأوروبا، فضلاً عن أن المسلمين منتشرون في كل بقاع العالم، مع ذلك فإن رأيهم وقوتهم لا يساويان رأي وقوة دول صغيرة، على الرغم من أنهم ظاهرياً موحدون تحت لواء منظمة الدول الإسلامية.

فمثلاً عدد المسلمين في روسيا والهند أكثر من عددهم في بعض الدول العربية، ففي الهند يصل عدد المسلمين إلى حوالي 300 مليون نسمة، أما في روسيا فيصل إلى حوالي 30 مليون نسمة من أصل 145 مليون نسمة عدد سكان روسيا.

أي أنهم يمثلون 15% من سكان هذه الدولة التي تعتبر الثانية في العالم من حيث القوة العسكرية، مع ذلك فعندما طلبت الانضمام إلى منظمة الدول الإسلامية رفض طلبها.

عندما يجتمع أكثر من شخصين عربيين في أي موقع في أي حوار، لا بد وأن يتكرر الحديث حول تخلّف العرب المسلمين عن الركب الحضاري العالمي، كما تتكرر الحسرة على تاريخنا الإسلامي خاصة في القرون الوسطى، عندما كان الغرب يعيش في ظلمات الجهل والتخلف، وكان العرب والمسلمون في أوج عزتهم وتقدمهم الفكري والعلمي.

أما في مجال التجارة والصناعة والاكتشافات الطبية، فإن كثيراً من الدول الأوروبية استفادت من هذا التقدم وهذا ما تؤكده كتب التاريخ، بما فيها التي كتبت في الغرب.

وكتاب »عصر أوفا« ملك انجلترا »للدكتور مصطفى حسن محمد الكناني« خير تأكيد على قوة وعظمة التواجد الإسلامي التجاري في أوروبا الغربية في العصور الوسطى، حيث يقول الدكتور في كتابه القيم:

إن الملك أوفا ملك انجلترا الأنجلوسكسونية (757 ـــ 796م) أمر في أواخر عصره بضرب دينار على طراز الدينار العباسي يحمل عبارات التوحيد الإسلامية، إلى جانب نقش اسمه »وتوجد حالياً قطعة نادرة منه في المتحف البريطاني«.

ويرجح الكاتب أن يكون هذا الملك العظيم الذي وحّد الأمة الانجليزية وأرعب بقوته الكنيسة البابوية وشارلمان، قد اعتنق الإسلام، وإلا ما سبب قبوله صك دينار يحمل اسمه مع عبارات التوحيد عكس ما كان يعمل به في انجلترا آنذاك حيث كان النقش على العملة لا يتعدى اسم وصورة الملك.

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على قوة المسلمين ونفوذهم وإخلاصهم في نشر الدعوة الإسلامية في ذلك العصر، إلى جانب شطارتهم كتجار لم تلههم تجارتهم عن العلم بأصول دينهم والدعوة إليه، كما يدل على قوة اقتصاد المسلمين، فالدينار الإسلامي كان يتصدر المعاملات التجارية في القرون الوسطى حسب رأي الكاتب.

لكن ماذا حصل؟ لماذا تراجعوا وتقدمت الدول الأوروبية بعد ذلك وتحكمت في العالم بقيادة انجلترا؟ هل بسبب قوة إرادتهم ووحدتهم؟ أم بسبب قدراتهم العقلية؟ أم لأنهم من سلالة لا تعرف التراجع؟

كنا في جلسة مع مجموعة من الأصدقاء نتابع أحد البرامج العلمية على قناة »ديسكفري« وخلاله كان الباحث يعيش وسط حيوانات مفترسة ليكتشف طباعها وعاداتها، كيف تأكل وتشرب.

وكيف تقضي يومها ويراقبها حتى أثناء نومها، علق أحد الحضور قائلاً: إن هذا الرجل مجنون »ما عنده سالفة!« يعرض نفسه للخطر من أجل معرفة عادات حيوانات مفترسة!

وفي رأيي أن كثيرين من العرب يفكرون بهذه العقلية لأنهم تعودوا على ثقافة الكسل والاعتماد على الغير لاكتشاف ما يدور حولهم، وحتى لحل مشاكلهم!

هل رأيتم في عصرنا الحالي عربياً اكتشف سراً من أسرار الكون في الوقت الذي مازال ابن بطوطة يعتبر فيه الرحالة العربي المسلم الأول في العالم الذي غامر واجتهد ليكتشف أسرار المدن وعادات وطبائع الناس، وكان له السبق في فتح هذا الباب أمام الرحالة الغربيين.

أليس هذا جزءاً مما وصل إليه العرب والمسلمون الأوائل في مجال العلم والمعرفة، ثم التقط الغرب انجازاتهم وتوسع فيها وكان لها دور في نهضته، فيما اكتفى العرب والمسلمون بالعيش على أمجاد أسلافهم والحسرة على ذلك الزمن الجميل!

والحقيقة أن التقدم الذي عرفه الغرب كان سببه إطلاق الحريات للشعوب، وفتح المجال أمام المفكرين والمبدعين للاجتهاد والبحث واعتبار الوطن ملكاً للجميع، والكل له حق المشاركة بإبداء رأيه دون قيد أو خوف.

وممارسة حقوقه كاملة عكس ما أصبحت عليه الشعوب العربية والإسلامية التي وصلت إلى درجة من الضعف لا تستطيع فيها حتى الاحتجاج أو إصدار بيانات كانت كثرتها أهم ما يميزهم عن غيرهم خلال السنوات الماضية!