عندما تشكلت منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 في مدينة القدس، طرحت نفسها ممثلاً وحيداً وشرعياً للشعب الفلسطيني وقضيته أينما وجد، وتجسد هذا التمثيل دماً وتضحيات لا حدود لها بحيث بات من النادر وجود بيت فلسطيني يخلو من شهيد أو أسير أو جريح.

وحظيت باعتراف عربي منذ اللحظة الأولى للتأسيس من خلال التمثيل العربي رفيع المستوى في المؤتمر الفلسطيني الأول، الذي انبثقت عنه المنظمة، ودولي بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر عام 1974 والذي يحمل الرقم 3210.مما يعني ان الفلسطينيين على حق عندما يعتبرون منظمتهم منجزاً وطنياً من الطراز الأول.

ومثلت م. ت. ف. قوة ضاربة لا يستهان بها إقليمياً إلى درجة دفعت ساسة الدولة العبرية الى اتخاذ قرار بملاحقتها حيث تكون، بدءاً من الأراضي الفلسطينية المحتلة والأردن حتى العاصمة اللبنانية بيروت مروراً بالعديد من مدن وعواصم ومناطق بلدان أخرى حول العالم.

لكن رغم جبروت الجيش الاسرائيلي واليد الطويلة لجهاز الموساد، بقيت المنظمة الرقم الصعب في أي معادلة سياسية في الشرق الأوسط وتكسرت على صخرتها جميع المؤامرات، التي حيكت من الشقيق قبل العدو واستهدفت تركيعها واجبارها على العدول عن منطلقاتها وثوابتها، التي استقرت.

في ظل حراك سياسي وعسكري وتنظيمي وحتى مالي مرير، على شعارات أحد أهداف ثلاثة هي عودة اللاجئين إلى ديارهم وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس وتقرير المصير.

من الأهداف الثلاثة آنفة الذكر، لم يتحقق إلى الآن سوى جزء بسيط من حلم إقامة الدولة العتيدة، لا بل ان عجلة هذا تتوقف عند كل منعطف مهما صغر حجمه، في مشهد يحيل القضية برمتها إلى معادلة موازين القوى، التي تتحكم عادة بشروط المفاوضات والتنازلات بين أي طرفين متصارعين.

وفي تفاصيل ميزان القوى الخاص بالصراع الفلسطيني ــ الاسرائيلي، لا يختلف عاقلان على أنه يميل وبقوة لصالح الطرف الاسرائيلي، لا سيما بعد أن جرد الفلسطينيون أنفسهم أو جردوا من أهم ورقة يملكونها قد ترجح ذلك الميزان جزئياً لصالحهم.

وتلك الورقة يمثلها الممثل الشرعي والوحيد مجسداً بمنظمة التحرير الفلسطينية، وبمجلسها الوطني ولجنتها التنفيذية ومجلسها المركزي وبقية مؤسساتها، التي ضاهت، في لحظة تاريخية معينة، مؤسسات الدول العريقة.

المشكلة بدأت مع بدء اختزال منظمة التحرير الفلسطينية وقضيتها الوطنية النبيلة في سلطة وطنية فلسطينية مبتورة السلطة أصلاً، علماً بأن جميع الاتفاقيات التي وقعت بين الفلسطينيين والاسرائيليين والتي أفضت إلى الوضع الحالي في الأراضي المحتلة، إنما وقعت باسم منظمة التحرير .

وليس باسم السلطة التي يبدو لها أنها الممسكة بزمام الأمور الآن، متناسية أن الفضل فيما هي عليه لا يعود سوى إلى (م.ت.ف)، التي شكلت ومازالت الرافعة الحقيقية للهم الوطني الفلسطيني العام.

الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات على حد سواء هو أحوج الآن أكثر من أي وقت مضى إلى القيام باصلاحات باتت حتمية في (م.ت.ف)، وتفعيل دور مؤسساتها على أسس تفصيلية جديدة، تأخذ في الاعتبار هموم من تمثلهم في كل بقاع الأرض.

انطلاقاً من وحدة الشعب الفلسطيني، التي تمثل حجر الزاوية في المشروع الفلسطيني، إذا أُريد له حقاً أن يكون مشروعاً وطنياً، ينظر فيه إلى السلطة الفلسطينية على أنها مجرد خطوة على الطريق الصعب والطويل وليس نهاية المطاف.