عاشت أوروبا منذ منتصف القرن الخامس عشر حركة نهضوية بدأت بتنشيط التجارة وتتابع حملات الاستكشاف الجغرافية وتطوير فنون الملاحة البحرية وتكنولوجيا السلاح.
ولقد تبع ذلك فيما بعد حدوث ثورة علمية معرفية تناقضت في الكثير من استنتاجاتها مع تعاليم الكنيسة، مما أدى إلى وقوع الصراع بين الفكر العلمي المؤسس على التجربة والفكر الديني المؤسس على الغيب.
ولقد كان من آثار الثورة العلمية تأثر أعداد متزايدة من رجال الكنيسة بالفكر الجديد وقيامهم بتوجيه النقد لتعاليم الكنيسة وممارساتها الدنيوية، مما أدى إلى وقوع الحروب الدينية في النصف الأول من القرن السابع عشر والتي دامت ثلاثين سنة وانتهت بهزيمة الكنيسة وفصل الدين عن الدولة.
وبينما كانت حركة الإصلاح الديني وتبعاتها تعيد الترتيبات السياسية والعقائدية بين الكنيسة والدولة من ناحية، كانت التطورات الاقتصادية على أرض الواقع تعيد ترتيب العلاقات الاجتماعية بين الناس وبينهم وبين البيئة من ناحية ثانية.
ومع فصل الدين عن الدولة وظهور عدة مذاهب دينية متباينة ضمن نطاق الديانة المسيحية ضعفت الكنيسة بوجه عام، وتراجعت شعبيتها، مما جعل الدين يصبح مسخرا لخدمة الحياة، وذلك بعد أن كانت الحياة مسخرة لخدمة الدين.
ومما ساهم أيضا في إضعاف الكنيسة واستمرار تراجع نفوذها في المجتمع قيام تحالف قوي بين الحكام والتجار وذلك خدمة لأهداف مشتركة ومصالح متبادلة، فالحكام أرادوا كنيسة ضعيفة كي يمارسوا سلطاتهم السياسية.
ويحكموا دون رقيب أو حسيب، والتجار أرادوا كنيسة بلا سلطات دنيوية تفرض عليهم شرائع وتشريعات اقتصادية تتعارض مع مصالحهم الربحية.
ومن التعاليم التي فرضتها الكنيسة الكاثوليكية في حينه وقام التجار بمقاومتها بشدة تحريم الربا وما كان يسمى في حينه »السعر العادل«، أي السعر السلعي الذي يحول دون استغلال التاجر للمستهلك.
لقد ساد الحياة الأوروبية بوجه عام خلال تلك الفترة حالة من الفوضى والضياع، حيث بدأت الأعمدة الفكرية والفلسفية لنظام الحياة السابق في الانهيار بينما كانت الأفكار الفلسفية والقيم الجديدة لا تزال في طور التكوين.
إلا أن الفترات الانتقالية في حياة الشعوب تكون عادة فترات تحرر وانفتاح تسمح بزيادة النشاطات الفكرية والثقافية وتنوعها، واتساع نطاق النشاطات الاقتصادية، خاصة النشاطات التجارية والحرفية، مما يؤدي عادة إلى إثراء البعض على حساب الأغلبية.
ومن جملة ما حصل خلال تلك الفترة أيضا قيام الإقطاعيين بالاستيلاء على الأراضي الزراعية واستغلال الفلاحين واستعبادهم أحيانا. في المقابل، تسببت تلك التطورات في ميلاد وعي اجتماعي وسياسي جديد تبلور تدريجياً على شكل نزعة قومية ساهمت في تدعيم الدولة وتعزيز سلطاتها المجتمعية.
وثقافة وطنية قادها مثقفون غير تقليديين وساهمت في تأصيل مفهوم الحرية في المجتمع، وطبقية اجتماعية خلقتها النشاطات الاقتصادية المتزايدة واتساع فجوة الدخل والثراء والقوة بين الناس.
كان من نتائج تراجع نفوذ الكنيسة في الحياة المجتمعية عامة وتصاعد الشعور الوطني بين الناس في ظل الدولة القومية الحديثة تشجيع الدولة على ممارسة الاستبداد، ونجاح بعض الحكام في إقامة نظم حكم دكتاتورية مستبدة.
إلا أن نجاح أولئك الحكام كان محدوداً ولم يدم طويلاً، حيث اتجهت المجتمعات الأوروبية عامة إلى مقاومة الاستبداد والمطالبة بإقامة نظم حكم ديمقراطية توفر الحرية للجميع وتخلق آلية جديدة تتيح مشاركة الشعب في إدارة شؤون البلاد.
وحين حاول بعض الحكام وقف المد التحرري بالقوة كان رد الفعل الشعبي عنيفاً اشتمل على وقوع الثورات والإطاحة ببعض الحكام، وقاد إلى كتابة دساتير جديدة أرست مبدأ الحرية والمشاركة في الحكم واعتماد الشعب، دون غيره، مصدراً للشرعية.
ولقد كان من أهم تلك الثورات الثورة الفرنسية التي وقعت في أواخر القرن الثامن عشر وكانت موجهة أساساً ضد نظم الاستبداد السياسي والإقطاعي، والاضطرابات الواسعة التي عمت العديد من المدن الأوروبية في منتصف القرن التاسع عشر وكانت موجهة أساسا ضد الاستغلال الاقتصادي.
من ناحية أخرى، كانت النشاطات الاقتصادية والثقافية والعلمية والتنظيمات العمالية في أوروبا تتحول تدريجيا، ولكن باضطراد، من الفردية إلى المؤسسية.
ففي المجال الاقتصادي، كان للنزعة الاستعمارية دور كبير في تطوير وترسيخ مبدأ وفوائد المؤسسية، وذلك من خلال إقامة العديد من الشركات التجارية والاستثمارية التي استخدمها الاستعمار بكفاءة لتحقيق أهدافه الاستغلالية على الساحة الدولية.
وفي المجال الثقافي والعلمي، كان للجامعات ومراكز البحوث والمنتديات الفكرية والثقافية ومؤسسات الإعلام ودور النشر إسهامات كبيرة في بلورة وتدعيم مفهوم العمل المؤسسي والعمل الجماعي المؤسس على المبدأ الديمقراطي، والتي ساهمت بدورها في تدعيم المؤسسات المجتمعية وتعميق الوعي الاجتماعي.
أما التنظيمات العمالية فقد جاء ظهورها بعد تبلور عمق الاستغلال الذي مارسه رأس المال، خاصة بالنسبة للنساء والأطفال، وفي أعقاب قيام المثقفين بالانتصار لقضايا العمال والوقوف إلى جانب الضعفاء الفقراء. وفي الواقع، لم يكن الإمكان في الماضي.
وليس من الممكن في الحاضر، قيام المؤسسية بتعميق جذورها في المجتمع في غياب الوعي الاجتماعي وسيادة ثقافة لا تؤمن بالحرية والعمل الجماعي وتعترف بأهمية الدور المجتمعي للمفكرين والمثقفين، وتعارض في الوقت ذاته سيادة الفردية كمبدأ في الإدارة والحكم.
إن التوجه الأوروبي نحو الديمقراطية جاء نتيجة لما عاشته شعوب القارة الأوروبية من تحولات اقتصادية واجتماعية وثقافية واسعة منذ منتصف القرن الخامس عشر، وما قاسته من ويلات الحروب وظلم الإقطاع وكبت الحريات في ظل هيمنة الكنيسة والدين طويلا على حياة المجتمع وسيطرة الفردية على الحكم.
ولقد كان التحول إلى الديمقراطية هو بطبيعته تحول في الوقت ذاته نحو المؤسسية في التفكير والإدارة والعمل، وبالتالي سحب الثقة من الفردية وحرمانها ما كانت تتمتع به من صلاحيات وشرعية.
أما التحول نحو الديمقراطية في العالم الثالث وفي الدول التي تحررت في التسعينات من القرن الماضي من هيمنة الاشتراكية الماركسية فقد جاء نتيجة لما عانته شعوب تلك الدول من فشل اقتصادي وهزائم عسكرية ونمو النزعة التحررية والضغوط الخارجية.
إن نظرة سريعة على الخارطة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية- الثقافية لعالم اليوم سوف تظهر بوضوح بالغ مدى تفوق الشعوب التي تحولت نحو الديمقراطية.
وعمق تخلف الشعوب التي لا تزال خاضعة لأنظمة حكم فردية وأيديولوجيات شمولية. إن الفشل في استيعاب متطلبات وأهمية الديمقراطية والمؤسسية في الحياة المجتمعية.
وطبيعة العلاقة الديناميكية التي تربط المفهومين بعضها إلى بعض، هو من أهم أسباب التخلف الاقتصادي والتمزق الاجتماعي والتفتت الثقافي والكبت السياسي والفكري الذي تعاني منه الكثير من شعوب العالم، ومن بينها بالطبع أغلبية الشعوب العربية.
ومن الأمور التي يؤسف لها وتحير العقل أحيانا أن بعض الفئات الاجتماعية في الوطن العربي لا تزال تترحم على أيام القيادات الفردية وتنتظر ظهور القائد المنقذ لانتشالها من حالة الهوان التي تعيشها دون وعي أن قيادات الماضي الفردية والتاريخية تتحمل مسؤولية الأوضاع السيئة الراهنة.
وبدلا من البحث عن بدائل عمل جديدة وعصرية للتعامل مع الأوضاع المتردية والتغلب على حالة التخلف الراهنة، اتجهت الأغلبية الشعبية العربية بقيادة قيادات تقليدية تجاوزها الزمن إلى اتهام الاستعمار بما فيه .
وبما ليس فيه، وإلقاء مسؤولية كل ذنوبها وعيوبها وتخلفها وضعفها على سياسته وأطماعه، والتباكي على الأطلال وتخدير المشاعر الذاتية والوطنية انتظارا لوصول القائد المنقذ.
professorrabie@yahoo.com
أكاديمي أميركي من أصل عربي