ما هي الموعظة التي يمكن ان تستخلص من تفكك »التجمع« السوداني المعارض؟
فلنستذكر أولاً ان وفاة »التجمع« لم تحدث في الأسبوع الماضي عندما وافق رئيسه رسمياً على الخروج من دائرة المعارضة إلى دائرة الحكم. تلك الموافقة الرسمية كانت فقط بمثابة تحرير شهادة الوفاة.
فالتجمع مات عملياً قبل بضع سنين عندما انسلخت منه عملياً »الحركة الشعبية« الجنوبية بزعامة جون قرنق لتدخل في عملية تفاوضية مصيرية مع »نظام الانقاذ« طارحة نفسها في سياق التفاوض كتنظيم جنوبي صرف لا علاقة له بهموم وهواجس الشمال وقادة المعارضة الشماليين.
غير ان موت التجمع على هذا النحو سبقته ضربة جعلته يترنح عندما خرج منه وعليه »حزب الأمة القومي« بزعامة الصادق المهدي، ومن ثم جاء انسلاخ »الحركة« الجنوبية ليكون الضربة النهائية القاضية.
ورغم ان رئيس »الحزب الاتحاد الديمقراطي« محمد عثمان الميرغني ظل خلال السنوات التالية يعرض نفسه كقائد للتجمع إلا أنه في حقيقة الأمر لم يكن يمثل سوى حزبه.
ما هي الموعظة إذن؟
الموعظة تتمثل في ان من المستحيل ان يقوم تحالف استراتيجي بين حزب شمالي وتنظيم جنوبي متمرد ولذا لم تكن العلاقة بين »الحركة الشعبية« الجنوبية وحزبي المعارضة الشمالية الكبير ــ الأمة والاتحادي ــ سوى تحالف »تكتيكي« مرحلي.
كان الحزبان الكبيران يريان في »الحركة« قوة عسكرية ضاربة بوسعها كسر شوكة النظام الحاكم بينما كانت قيادة »الحركة« ترى في علاقتها مع حزبين شماليين فرصة في استغلالهما لتضفي على نفسها غطاء من الشرعية القومية ــ إلى حين.
عدا ذلك لم تكن قيادة »الحركة« الجنوبية ترى أي فارق بين المهدي والميرغني وسوار الذهب ونميري والبشير.. كلهم ينتمون إلى أهل الشمال.
لهذا نعرف لماذا غادر قرنق »التجمع« هابطاً في أول محطة تلائمه بالموافقة على التفاوض مع »المؤتمر الوطني« الشمالي الحاكم علماً بأن ميثاق التجمع ينص صراحة على تعهد من جميع أعضائه بعدم التفاوض الانفرادي مع نظام الإنقاذ من وراء ظهر التجمع.
والآن إذا أراد الحزب الاتحادي الديمقراطي ان يستوعب الموعظة ويفيد منها في رسم مستقبله فان عليه إعادة إنتاج نفسه كحزب جماهيري كبير ذي رصيد تاريخي عظيم.
ونقطة البداية هي أن تستوعب قيادة الحزب ان الأحزاب التقليدية الشمالية باتت مهددة في بقائها بخطر جديد يتمثل في تعاظم التيار الجهوي.فمع توسع هذا التيار وتناميه في الغرب والشرق فان المنظمات الجهوية تنمو بالضرورة على حساب القواعد الجماهيرية للأحزاب التقليدية.
ولن يكون بوسع القيادات السياسية التقليدية مجابهة هذا التيار الجهوي إلا بابتداع خطاب جديد موجه إلى الأغلبية العربية الإسلامية من السكان الذين ليس لديهم تنظيم جماهيري يتحدث بلسان حالهم ويعكس همومهم وطموحاتهم.