» إن أمةً من الخراف ستلد حكومة من الذئاب«

إدوارد مورو

(في تشارلز دربر: البشر قبل الربح

(2003:170

لقد استعمل الغرب عناصر الصيغة التي مكنته من استمرار هيمنته على مقدرات العالم بخبث وكفاءة. فقد تشكل العالم المعاصر بدوله القطرية، ولا أقول القومية، في مؤتمر باريس ومعاهدة فرساي التي توجت »إنجازاته«.

وقد خلقت هذه المعاهدة في رحم نظام العالم »الجديد« آنذاك كل التوترات والاحتكاكات الأثنية »القومية والطائفية« القبلية التي مازالت أقوام هذا العالم تعاني منها.

فاستنبطت قواعداً لتقسيم العالم لا تستند إلى أسس عقلانية إلا ما اتفق مع مصالحها، فسيّست قضايا الأقليات، وكومت جماعات أثنية متنافرة في دول مصطنعة، ووحدت أقواماً، وشرذمت أقواماً أخرى، وبخاصة في بقايا الإمبراطوريات اللاقومية. واختلقت في إفريقيا حدوداً على الأرض لمناطق لم تكن تعرف الحدود من قبل.

ثم استعملت أيديولوجيا الديمقراطية كسلاح لزعزعة الترتيبات التقليدية لأنظمة الحكم. وإذا ما رصدنا كيفية استعمال هذا السلاح علينا أن نتذكر كيف أن الديمقراطية ألصقت بشكل يكاد أن يكون هزلياً على ترتيبات الحكم وتوزيع السلطة التقليدية.

في البدء تبنت الدول الغربية أنظمة الحكم التسلطية التي هيمن عليها العسكر في كل دول العالم المتخلف على أنها أنظمة حكم تنموية، باعتبارها الطريقة المثلى لبناء الدول، قالوا عنها بكل تبجح » بناء الأمم«.

وإذا ما خرج قائد عن الخضوع للغرب لجأ الغرب إلى تغيير نظام حكمه، عن طريق سياسات الزعزعة، وتغيير الأنظمة، التي صممتها الولايات المتحدة وأتقنتها في أول حقل تجارب لها في سوريا وإيران (بين سنوات 1952 ـــ 1984).

وقد اختلقت الولايات المتحدة في زمن الرئيس ريغان، نوعاً خاصاً من الديمقراطية يناسب دول العالم المتخلف في أثناء الحرب الباردة، أطلق عليه بصدق الديمقراطية الهشة، أو الديمقراطية المحدودة، لتتماشى مع الحرب المحدودة التي كانت العقيدة العسكرية لأميركا.

ويقف وراء كل تلك التكتيكات والأساليب الاستراتيجية للهيمنة ما أطلق عليه الرئيس آيزنهاور: المجمع العسكري ــ الصناعي، والذي هو رأس حربه للحرب الدائمة: الوجه الحقيقي للبربرية الغربية المعاصرة.

وهذا المجمع حقيقة واقعة وليس من نسج خيال عقلية المؤامرة. تحدث عنه كتاب كثيرون من أمثال لويس ممفورد ونعوم تشومسكي وسايمور ميلمان الذي يتكلم عن رأسمالية البنتاغون، التي رأينا كيف تعمل، وبكل علانية في طريقة توزيع عقود إعادة إعمار العراق، أو في تكتل جماعة كارلايل.

أما الأقوام، إذا ما أرادت أن تقاوم الهيمنة الغربية وقوى الإمبراطورية المعولمة، غالباً ما تلجأ إلى أساليب الضعيف : بالقتل أو بالتخريب، وبالتخويف والترويع، بقصد أحداث زعزعة مضادة أو عدم استقرار معاكس. الغرب يسمى هذا إرهاباً، يريد أن يعلن حرباً صليبية عليه.

ويخلط عن عمد بين المقاومة المشروعة والإرهاب الذي تفرضه سياساته. ولكن الإرهاب مسألة نسبية. وهو يشبه مرض القولون العصبي. من الصعب تعريفه أو تصنيف أعراضه، ولكن من السهل معاناته والإحساس بآلامه.

المهم في هذا الأمر، هو أن هناك دورة تاريخية ضمنية تعمل ضمن دورة تاريخية أكبر في التحول من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحديث. فمن نتائج حالة الإحساس بالتهديد من مخاطر الزعزعة تولد حالة من عدم اليقين .

والبلبلة التي تسود مجتمعات العالم المتخلف، يلجأ المواطنون بسببها إلى التضامنيات الوشائجية كالقبيلة والطائفة والولاءات الأثنية، كما نشاهده الآن في دول المشرق العربي الكبير (والانقسامات الطبقية الحادة الموازية لها في المجتمعات الأخرى).

ولكن الالتجاء إلى التضامنيات ما هي إلا مرحلة انتقالية، ما أن يستقر المجتمع نسبياً حتى تعود مؤسسات المجتمع المدني والتنظيمات المجتمعية بالعمل من جديد، في إطار تحالفات وتكتلات سياسية وتعود الحيوية إلى الصراعات الأيديولوجية التي كانت قد انحسرت في ظل التضامنيات الوشائجية.

ديمقراطية الخير العميم

يقترح الغرب أن تكون الديمقراطية على النمط الغربي طريقاً لإصلاح المجتمعات المتخلفة. وقد رأينا أن هذا النمط من الديمقراطية التمثيلية خال من المحتوى الحقيقي للحرية، أنه تسلطية من نوع آخر.

ولكن إذا كان لابد من الديمقراطية، فإنه لابد كذلك من العدالة الاجتماعية. والعدالة الاجتماعية، في حدها الأدنى تتمثل في سياسات الرعاية الاجتماعية، تأسيساً على الفرق الذي اقترحه هنري سجويك (1887) بين الثراء والرخاء.

فالثراء أو الثروة هي ما يمكن حسابه بالفلس والدينار/ القرش والليرة. أما الرخاء فهو ما يحقق الخير العميم للجميع: أي السلع العمومية كالصحة والتعليم والأمن وشبكة الضمان الاجتماعي والماء والكهرباء، وغيرها.

السلع العمومية لا تقاس بمبدأ الحد الأمثل حسب باريتو: لا يمكن تحسين أحوال البعض إلا بخسارة البعض الآخر. أن سياسات الرعاية الاجتماعية لابد أن تقوم على أسس ثلاثة:

(1) إطار قانوني مستقر للعدالة الاجتماعية.

(2) تقنين دقيق للحقوق لمختلف فئات المجتمع.

(3) والأهم من كل ذلك التزام أخلاقي بتحقيق العدل وبتقليل الفوارق الطبقية.

إذا ما توافرت هذه الشروط الثلاثة، فإن مسيرة حقيقية للإصلاح ستقود إلى مجتمع يختلف أخلاقياً وعملياً عن المجتمعات الغربية وعقليتها البربرية: العنف الاستثنائي حتى ضد شعوبها الذي يجرد المواطنين من آدميتهم ويهدر كرامتهم.

إن بربرية المجتمع الغربي بهذا المعنى قد تجلت أمام جميع الناظرين ليروا رؤية العين المناظر المؤلمة لضحايا إعصار كاترينا، وزلزال كشمير، وحرائق فرنسا.

العبرة ليست في تأخير إجراءات إنقاذ ضحايا إعصار كاترينا، وإنما في فداحة الفوارق الطبقية والعنصرية التي لا يمكن وصفها. والعبرة ليست في معاناة البطالة والإهمال والتفرقة العنصرية التي دفعت بعض المهاجرين إلى إضرام الحرائق في ضواحي مدن فرنسا.

وإنما في استحالة اندماج المهاجرين من أديان وأعراق أخرى في الجماعة الوطنية في مجتمعات أوروبا الغربية العنصرية. والاستنتاج الذي لا مفر منه، هو أن الغرب فاقد لأي سلطة أخلاقية تسمح له أن يقود العالم نحو نظام عالمي جديد، أو إملاء إرادته المطعون في نزاهتها على بقية أقوام الأرض.

بل إننا أمام معضلة حقيقية عندما نكتشف أن الدولة التي هي عماد الامبراطورية، الدولة التي تقود عالم الغرب المتقدم، تكاد أن تكون في عداد دول العالم المتخلف، حسب المقاييس الشكلية التي يعتمدها الغرب نفسه لتبيان درجة تفوقه على العالم. وأبشع صور التشويه الذي يلحق بالديمقراطية الأميركية يصفها الصحافي أندرو عغبل في كتابه:

اسرق هذا الصوت (الانتخابي). يقول في صفحة 7، ان في فترات مختلفة من التاريخ الأميركي، تعرضت صناديق الاقتراع للتلاعب، وتعرض الناخبون للتهديد والاختطاف، والقتل، والرشوة، وحشو صناديق الاقتراع، وأساليب مبتكرة في عدّ الأصوات، آخرها كانت الخرمة العالقة التي أعطت جورج بوش الرئاسة.

وقد نشرت مجلة نيوزويك الأميركية مؤخراً جداول تقارن بين الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية، اقتبسها من طبعتها العربية في الجدول رقم (2).

يتضح من هذا الجدول أن نسبة الأميركيين الذي يشاركون في الانتخابات لا تتجاوز 46% من الناخبين المسجلين وهذا تيار عام منذ أكثر من ربع قرن، وترتيب الولايات المتحدة هو 16 من مجموع الدول الغربية.

أليس هذا مؤشراً على لامبالاة الناخبين وقناعتهم أن من يفوز بالانتخابات لن يمثل مصالحهم؟ كما أن ترتيب الولايات المتحدة في معدلات الجودة (النوعية في الجدول) في المؤسسات العامة هو 21 من مجموع الدول الغربية. هذا عدا استشراء داء الفساد المالي والإداري في القطاعين العام والخاص.

أما فيما يتصل بمقاييس الرعاية الاجتماعية (الرخاء الاجتماعي في الجدول) فإن ترتيب الولايات المتحدة هو 22 في مقياس فقـــر الأطفال، و71 في مقياس تكافؤ الفرص الذي يستولي فيه 10% من فئات الدخل العليا على 40.8% من الثروة الوطنية.

أما الجدول رقم (3) فيعرض علينا صورة أشد قتامة من المعلومات في الجدول السابق. كيف أن في الدول الغربية الرئيسية :إيطاليا وألمانيا وبريطانيا وفرنسا تسيطر ثلاث شركات إعلامية على 80% من خدمات التلفزيون.

وعلى 30 إلى 70% من المؤسسات الصحافية. ونعلم جميعاً كيف تتحكم هذه الشركات الإعلامية الاحتكارية في مصادر المعلومات، وفي صناعة الرضا لدى المواطنين– حسب تعبير نعوم تشومسكي.

بل إن من معجزات القرن العشرين نجاح هذه المؤسسات الاحتكارية المحافظة في إقناع عامة الناس بأننا عندما نتكلم عن الديمقراطية الغربية، نعبر عن نزوعنا نحو الحرية ــــ الحرية سراب الحلم الأميركي.

مفكر وعالم اجتماع كويتي