يولد الإنسان محباً للحياة كلها وللأحياء جميعها، ولكن عوامل مجتمعة عديدة تجعله شخصية كارهة للآخر المختلف عنه ديناً أو جنسية أو طائفة أو مذهبا، وهذه الكراهية النفسية هي »الأساس الأولي« لتقبل الفكر المتطرف والذي يتحول بفعل الخطاب التحريضي إلى »سلوك عدواني«.
الإرهاب ــ في نظري ــ فكر كاره للحياة والأحياء، تمكن من عقل إنسان يعاني من نفسية متوترة لا تستطيع ان تنسجم مع مجتمعها ومع الآخرين ومع الحياة كلها وبخاصة خلال »المتغيرات المجتمعية المعاصرة« قد يبقى هذا الفكر الكاره للإنسان في حالة كمون .
وترقب حتى يجد بيئة ملائمة تحتضن هذا الفكر وتشجعه وتبرره بمسوغات دينية ووطنية وأيديولوجية، ترى في السلوك العدواني »جهاداً دينياً« ومقاومة وطنية وتصور قتل الإنسان لنفسه في الآخرين »استشهاداً« بل »أسمى أنواع الجهاد«.
ومثل هذا الفكر الذي يبقى في حالة كمون، مثل الفيروسات الكامنة في الجو، تنشط إذا وجدت المناخ الملائم وبخاصة أثناء تغيرات الفصول فتتمكن من الإنسان.أتصور أن من أهم العوامل التي تساعد على تنشيط هذا الفكر المتطرف هو »الإعلام التحريضي« .
ولقد أصبح للإعلام دور متعاظم في حياتنا المعاصرة حتى قيل ان الإنسان المعاصر هو كائن إعلامي بكل المعايير يقتات ويتنفس ويعيش على ما يتلقاه من بث وضخ إعلامي ومعرفي ومعلوماتي.
طبقا لما جاء في كلمة د. أنس الرشيد ــ وزير الإعلام الكويتي ــ في افتتاحية ندوة »التطرف والإرهاب« بلندن في الفترة من 8 إلى 20 نوفمبر الجاري، وقد سعدت بحضورها مع لفيف من الباحثين المعنيين بقضايا مجتمعاتنا المعاصرة.
وقد قام بتنظيمها »المركز الإعلامي الكويتي« بلندن بالتعاون مع صحيفة الشرق الأوسط، وعلى امتداد 3 أيام ناقش الباحثون ظاهرة التطرف والإرهاب وسلطوا الأضواء على كافة جوانبها السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية والإعلامية.
وكان اللافت للنظر وكما وضح في البيان الختامي، أن الدور الإعلامي هو المسؤول الأول في تنامي هذا الفكر المتطرف وانتشاره وبخاصة إذا أصبح إعلاماً محرضاً.
هناك الآن ما يربو على 130 ألف موقع الكتروني عربي تروج للتطرف والإرهاب السياسة الكويتية 9 ــ10 ــ 2005 وتوجد آلاف المساجد في العالم الإسلامي، ما زالت تمارس دوراً تحريضيا وتبث الكراهية وتدعو ــ عقب خطب الجمعة ــ لمن سمتهم بالمجاهدين في أفغانستان والشيشان والعراق، هؤلاء الذين يقتلون الأبرياء ويفجرون أنفسهم.
هناك آلاف الفتاوى المكفرة وعلى الهواء مباشرة لكل من اختلف مع المفتي في رأي أو مذهب أو عقيدة وهناك القضاة الذين يحاسبون الناس على أفكارهم كالقاضي الذي حكم على مدرس »40 شهراً سجناً و350 جلدة« وأن يجلد أمام طلابه لمدة أسبوع لأنه انتقد الأفكار المتشددة والمتطرفة للإرهابيين وتكلم عن »اللحية« بما لا يرضي القاضي.. الشرق الأوسط 13 ــ 11.
هناك معلمات الدين في المدارس ــ المشغولات طوال الوقت ــ في أنشطة وعظية تحريمية، تحذر الطالبات من لبس العباءة، على الكتف ومشاهدة التلفزيون، ومحاربة الغناء والفن والمسرح والسينما وقيادة السيارة والرياضة ــــ بدرية البشر، الشرق الأوسط 13/11 ــــ.
ولاتزال بعض فضائياتنا تمارس دوراً تحريضياً خطيراً، فمنذ أيام استضافت إحدى الفضائيات إمام مسجد عراقي، فشتم الرئيس الأميركي ووصفه بما لا يليق ودعا العراقيين إلى مقاتلة الأميركيين.
إنّ خطورة الإعلام التحريضي لا تقتصر على إشعال فتيل الفكر المتطرف وإنما خطورته الكبرى في أنها تدفع مزيداً من الشباب ليكونوا وقوداً لنار الإرهاب، لا نستطيع حماية الشباب أمام فيروسات التطرف ما دام المحيط الإعلامي يمارس هذا التحريض المدمر للناشئة.
من المفارقات أن (المجتمع الدولي) وهو الأقل تضرراً بالإرهاب، يواجه الإرهاب أمنياً وسياسياً وإعلامياً وفكرياً وتشريعياً وقد أصدر مجلس الأمن قراره التاريخي الجماعي (1624) بتجريم التحريض.
وكان واضحاً وصريحاً حين دعا دول العالم إلى إصدار تشريعات محلية لتجريم التحريض وكل الأعمال التي من شأنها تقديم دعم معنوي أو مالي أو مؤازرة أو تعاطف أو تبرير للعمل الإرهابي سواء عبر المؤسسات الإعلامية أو الدينية أو التعليمية.
وكل دول العالم اتخذت إجراءات وتشريعات مشدّدة وفعّلت القرار الدولي إلا الدول العربية التي مازالت تواجه الإرهاب ــ أمنياً ـــ فقط مع أنها الأكثر تضرراً بالخطر الإرهابي، لم تتخذ الدول العربية أي إجراء لمواجهة الإرهاب سياسياً وفكرياً وإعلامياً وتشريعياً، وتتظاهر الدول العربية بمكافحة الإرهاب.
وهو صحيح (أمنياً) لا (فكرياً وسياسياً وإعلامياً)، فمازالت تمكّن منابرها الدينية والإعلامية، من يحرّضون ويبثون الكراهية، وينفخون في دعاوى حتمية الصراع واستدامة العداوة.
ومازالت أقلام تفيض تعصباً وكراهية، ومازال فريق من الدعاة يستغلون منابر بيوت الله في اللغو السياسي. كمثل ذلك الخطيب الذي سارع إلى استغلال موجة التذمر الشعبي لخبر قصف (الجزيرة) فركبها، وحوّل الخطبة، اتهاماً وتحريضاً.
لقد تحدث وزير الإعلام الكويتي، عن ـــ تنامي ظاهرة التطرف، وبيّن خطورتها على الحضارة وعلى الإنسان: أمنه ومستقبله، وطالب بحشد الطاقات لوضع استراتيجية لمواجهتها ووضعها في مقدمة الأولويات.
وهي دعوة صادقة ليتها تترجم على أرض الواقع. فالدول العربية، وحتى الآن ـــ غير مقتنعة بمواجهة الفكر الإرهابي مواجهة فكرية وسياسية وإعلامية، اكتفاء بالمواجهة الأمنية، فقط دولة واحدة هي (الأردن) تجرأت أخيراً .
وقررت المواجهة بحرب فكرية وسياسية وتشريعية عبر قانون يحارب الفكر التكفيري ويجرّم التحريض والتبرير سواء في الصحف أو الخطابة، وهي خطوة شجاعة تستحق المؤازرة والتأييد. إن السكوت على التحريض والمحرضين (إثم عظيم) ولكن تمكينهم من المنابر والفضائيات (إثم أعظم).
٭كاتب قطري