لأسابيع كان أحد الأطفال من العائلة يطاردني حاملا بين يديه كتابا يتوسلني ان أقرأه. وفي كل مرة كنت أنظر اليه وأتوسله أن يمنحني وقتا أطول لأنهي ما بيدي وأقرأه.

ومرت الأيام والمطاردة مستمرة الى ان طلب مني أن اصطحبه الى المكتبة ففعلت وعاد محملاً بمجموعة نفس الكاتبة الى البيت. اكتفيت فقط بالسؤال من أين سمع بهذه الكتب وعندما قال انها موجودة في مكتبة المدرسة اطمأن بالي ولم ادقق في محتوياتها. وتركته يستمر في القراءة.

ولكني توقفت عندما رأيته مع اخته غارقين لأبعد مدى في هذه الكتب ويلتهمانها الواحد بعد الآخر إلى ان قضيا عليها كاملة في يومين. وعادا الي بعناوين لثلاثة كتب متبقية لنفس الكاتبة فاتهما شراؤها، أحدهما يصدر في هذا الشهر تحديدا. استوقفني سؤال: ما الذي يشد أطفالا في الثامنة والعاشرة الى كتب يقرأونها بهذه الشراهة؟

وبدأت رحلة اكتشاف السر: هي سلسلة قصص أطفال للكاتبة الأميركية فرانشيسكا سايمون تحمل اسم بطل القصص الطفل »هوريد هنري« أي هنري البغيض أو البشع أو الكريه. الكاتبة لديها أكثر من 40 كتابا منها سلسلة قصصها عن هنري البغيض التي بيع منها حتى الان ما يزيد على الـ 4 ملايين كتاب والتي تم نشرها في 17 دولة حول العالم ويتم اعدادها حاليا كرسوم متحركة.

هوريد هنري طفل يفتقر الى اللباقة في كل تصرفاته، يلقي بالطعام على اخيه الذي يصنفه والداه بأنه مثالي، ينتزع الأشياء ويخطفها بلا استئذان، يلطم ويركل ويرفس ويضع اخاه دوما في مواقف متأزمة.

أشد ما يكرهه هو أن يستذكر دروسه أو ينهي واجباته المدرسية أو ينظف غرفته. وأحب الاشياء الى قلبه مشاهدة التلفاز وأكل الحلوى ومخالفة القواعد والاوامر الأبوية.

يصل والداه معه الى درجة من اليأس والاحراج وهما برفقته تجعلهما يدعيان بأنه ليس ابنهما. كل تصرفاته تتسم بالبشاعة وعدم اللباقة واختلاق المشاكل الى الدرجة التي صار الأطفال جميعا يشيرون اليه بأصابعهما وهو يسير ويعرفانه بأنه »هنري البغيض«.

وفي المقابل هناك أخوه المؤدب، الخلوق، الذي يستخدم دوما كلمات »شكرا« و»لو سمحت«، يحب أكل الخضار ويلتزم بتعليمات والديه بحذافيرها وينتهي من اداء واجباته في زمن قياسي حتى اعتاد والداه يوميا ان يسمعا هنري عبارة »لماذا بحق السماء لا تكون كأخيك؟«. وعندما يكونان لوحدهما يطرحان على بعضهما السؤال التالي: »كيف بالله لزوجين مثلنا أن ينجبا طفلا بهذه البشاعة؟«.

الكاتبة لم تخض تجربة الكتابة في أدب الأطفال من فراغ، فهي تحمل مؤهل الماجستير من جامعة اكسفورد في تخصص تاريخ القرون الوسطى، ولها تجربة مع كتابة الحكايات بدأتها وهي في الثامنة من العمر، الا انها توقفت وعاودت الكتابة لتنشر اول كتاب لها عام 1993.

عملت صحافية لعشر سنوات ونشرت مقالات في مختلف الصحف البريطانية حيث انها تقيم هناك مع زوجها وابنها. لقيت سلسلة كتبها حول هنري استحسانا وثناء وصنفت على انها من الكتب الأكثر اقبالا وعمقا في الغرب.

قال عنها احدهم في تعليق نشرته صحيفة التايمز بأن شخصية هنري البغيض هي التجسيد الواقعي لأطفال العصر الحالي وليست شخصية هاري بوتر. كما صنف أحد كتب هذه السلسلة من بين أفضل 100 كتاب لعام 2002 .

تقول الكاتبة عن هذه السلسلة من كتبها بأن الاطفال كالكبار يبحثون عن الاثارة في شخصية تكسر الحواجز المعتادة ويكون في داخلها تمرد وعدم التفات الى العواقب والقوانين المنزلية التي يفرضها الابوان داخل البيت.

تقول انها القاء ضوء على ما يحدث داخل العائلة الواحدة من تنافس بين الاخوة لحيازة رضاء المحيطين. ففي معظم الاسر هناك من يجسد شخصية الطفل العنيد المتصلب الباحث عن المشاكل والاخر الذي يتسم بالهدوء.

والطاعة والذي يبالغ فيهما لارضاء والديه. وفي كل اسرة يعتاد الابوان على تصنيف أحد اطفالهما دون قصد بالمريح والسهل مقابل طفل آخر لديهما بالصعب والعنيد والمتعب.

كما تكشف النقاب عن نقطة هامة وهي ان في أعماق كل منا تكمن شخصيتان، شخصية معتدلة منظمة سوية السلوك تقبل المعتاد دون تفكير، وأخرى متمردة وعنيدة وترفض المفاهيم والقيم.

أدب الأطفال كان ولايزال أسير الخلاف بين الكبار، يخضع لمقاييس متنوعة ومتضاربة. وبسبب غياب المقاييس العلمية التي تتناول هذا الفن بالنقد يظل الطريق غير جلي للحكم على ما يوضع بين يدي الأطفال من معارف تسهل لهم الطريق للاجابات على اسئلتهم واستفساراتهم ما ان كانت مناسبة أو مرفوضة.

الاطفال لا ينقطعون عن محاولات الاستكشاف واستخدام خيالهم لأقصى مدى. يبحثون دوما عن الخبرات الجديدة ويمتصون ماحولهم من مختلف القنوات سواء كانت مطبوعة أو مسموعة أو مرئية.

الدارسون لأدب الأطفال غارقون في البحث عن الجوانب الاخلاقية والسلوكية والمعرفية واللغوية والجمالية والاجتماعية والنفسية وكافة الجوانب الاخرى التي تطرح فيما يقدم للطفل، ورغم ذلك لم تتضح الرؤية بعد للمقاييس الحقيقية التي تضع في حسبانها تذوق الاطفال أنفسهم لما يقدم لهم اليوم في عصر انصهار الثقافات مع بعضها البعض.

ولا يوجد حتى الان اهتمام كاف بكتاب الطفل في العالم العربي مثلا ليقطع الطريق ـــ إذا ما أردنا ـــ على الثقافات الأخرى التي كثيرا ما توصف بأنها دخيلة وغير مناسبة.

يضاف هنري البغيض الى شخصيات أخرى بغيضة بدأت تثير اعجاب الكثير من ابنائنا.. مطربون صغار يمجدون التمرد، حيوانات متوحشة واخرى آلية ترفض الخضوع للقيم .. مصارعون وسحرة والعاب الكترونية لشخصيات تتحدى كل القوانين وتندفع وراء رغباتها ..

كيف نواجه مثل هذه الثقافة الوافدة وادب الاطفال عندنا لا يزال وعظيا ولا يحمل سوى الامر والنهي وفي توافه الأمور؟

Heyamm@albayan.ae

مديرة ادارة التطويرـــ البيان