ان مبدأ الحوار الذي تطرحه الثقافة الغربية بخصوص الإشكالية الثقافية في عصر العولمة يثير من التساؤلات والشكوك ما قد يؤدي الى إفراغه من كل المعاني الظاهرة له .

والى نزع الثقة به فطبيعة العلاقة بين الثقافة الغربية المهيمنة مع ثقافات الأطراف المهمشة قد تجعل من هذا الحوار عطاء لنوع آخر من التبعية فالعبرة في اية علاقة ليست بالصياغة اللفظية والتعبيرات التي تصفها بل بطبيعة النتائج المترتبة عليها حسب مصالح كل طرف من أطراف العلاقة .

ان تعبير حوار الحضارات او الثقافات قد يكون تعبيرا في غير محله لانه ليس حوارا او تفاوضا سياسيا بين أطراف تدفعها مصالحها إلى إنشاء علاقات وقنوات وخلق آليات لخدمة هذه المصالح.

فالحوار بين الحضارات ينبغي ان ينطلق من مسلمة لا غنى عنها ولا يمكن تصور نجاح أي حوار بدونها هذه المسلمة تتلخص في التالي:

1 – اعتراف الحضارات المتحاورة بدور كل منها فى إثراء الحضارة الإنسانية في مرحلة من مراحل تشكلها.

2 – اعتراف متبادل بين هذه الحضارات بما تلقته كل منها من الأخرى من عطاء ومساهمات شكلت جزءا من بنيتها ومن تراكمات مكتسبة ومرتكزات تقدمها.

3- ان يكون هذا الاعتراف ظاهرا في نسيج كل حضارة منها وذلك من خلال ثبوته في تاريخها العلمي والأدبي والمعرفي ومن خلال عمليات التنشئة الثقافية لأجيالها المتعاقبة بحيث يصبح جزءا من الثقافة العامة لأبنائها.

اذا حاولنا ان نبحث عن توافر هذه الشروط في جانب الحضارة الغربية التي تقودها الولايات المتحدة في عصر العولمة من اجل حوار مفتوح مع الحضارات الأخرى فاننا في الواقع لن نجد اي شرط منها.

فالحضارة الغربية في تقييمها لنفسها من خلال مفكريها وفلاسفتها ومؤرخيها هي حضارة مكتفية بنفسها ولا تعترف صراحة بمساهمة الآخرين معها في بناء الحضارة الإنسانية باستثناء ثورتي الصيد والزراعة.

اما بعد مرحلة الطفولة الإنسانية فان أثينا وروما حملتا على كاهليهما عبء مسيرة الحضارة الإنسانية فالمتتبع لتاريخ ثقافة الغرب يجده أشبه بسيمفونية لتمجيد عظمته وسطوته سيمفونية لا يسمع فيها سوى أنغام ارث الغرب وأساطيره التى تتواءم مع تصوراته وأوهامه حول نفسه.

واكتفائه بذاته لان أي اعتراف بفضل ثقافات أخرى على مسيرة حضارته يؤدي الى طرح تاريخ مغاير ويشكك في المفاهيم الراسخة حول هذا الإرث المكتفي بنفسه.

ولهذا فان الغرب يفضل اعتبار القرون الوسطى مرحلة انقطاع مظلمة على الا يعترف بفضل اية ثقافة في هذه المرحلة على ثقافته فكل المؤرخين الغربيين باستثناء عدد قد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة – يعتبرون ثقافتهم في العصور الوسطى قد تشكلت من عنصرين لا ثالث لهما.

العنصر الأول يتمثل في الرومانسية البدائية والمؤثرات السلتية والجرمانية

اما العنصر الثاني فمصدره الكتاب المقدس والشروح الدينية، فهذان العنصران دون وجود عنصر ثالث هما اللذان أطرا حركة المجتمع الأوربي خلال مرحلة العصور الوسطي التي أفضت بدورها الي عصر النهضة.

واذا شاءت الظروف اى احتكاك بين الثقافة الغربية وبين اى عنصر أجنبي فان ما يتركه ذلك الاحتكاك المؤسف على ثقافة الغرب هو على الأغلب اثر ذو طبيعة انحرافية سلبية أكثر من كونه إثراء.

او إضافة ايجابية حسب رأى الكثير من مؤرخي هذه الثقافة من الاسباني »سانشيز البورنوز« الذى يرى بانه لولا الإسلام لاتبعت اسبانيا أمثال النهج الذى اتبعته فرنسا والمانيا وانجلترا ولمشوا فوق رؤوس هؤلاء جميعا.

وللحق فأن هذا الرأي لاقي ذيوعا واسعا في أوساط أقران سانشيز الغربيين لانه يصب في قناة النزعة الأوروبية وتراثها المتفوق فتخلف اسبانيا وعدم بلوغها المستوى الذي وصلت اليه بلدان أوروبية اخرى مثل فرنسا والمانية انما هو محصلة التشوه الذى لحق بالنمط الأوروبي من جراء مؤثرات خارجية ادني منه مستوى.

ان طرح إشكالية الحوار بين الحضارات بعد هذه المسيرة الطويلة للحضارة الإنسانية يدل على وجود أزمة شديدة التعقيد تستدعى التساؤل عن سبب وجودها لان الحضارة الإنسانية حسب منطق تطور التاريخ البشرى هي عبارة عن حلقات متواصلة تمثل تراكم المكتسبات التي حققها الانسان في تعامله مع الطبيعة عبر حقب تاريخ البشرية .

وبالتالي فانه من المنطقي ايضا ان يظهر في مكونات وفي تاريخ كل حضارة من العناصر ما يدل على تلقيها جزءا من هذه المكتسبات في نسيجها وبنيتها.

وهذا في حد ذاته يعد حوارا واعترافا ضمنيا متبادلا بين الحضارات غير ان الذي حصل في الواقع للأسف هو ان هناك حضارة لا يظهر في تاريخها ولا في نسيجها ما يدل على انها تعترف بما تلقته من إسهامات الحضارات الأخرى وهذه الحضارة المكتفية بنفسها هى الحضارة الغربية.

٭ كاتب ليبي – جامعة بنغازي