المبادرة التي أطلقها مؤخراً الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي وزير الدفاع، حول تطوير الكوادر الوطنية ودمجها في القطاع الخاص تحت عنوان »برنامج الإمارات لتطوير الكوادر الوطنية« تستحق منا وقفة متأنية لمحاولة الوقوف على بعض أبعادها ومدلولاتها وما تنطوي عليه من ايجابيات في كل جانب من جوانبها بل ولكل طرف من الأطراف التي تخاطبها.
لا أعتقد أنّ هناك من يخالفني الرأي في أن العنصر البشري هو أهم العناصر في عملية التنمية لأي بلد، ذلك أنه هو العنصر المنوط به تخطيط وتنفيذ الاستراتيجيات والآليات الموضوعة لبرامج تلك التنمية وتحقيق الأهداف المنشودة منها.
إذا سلّمنا بذلك وسلّمنا أيضاً، كما هو معروف، بأن كافة التشريعات في مختلف بلدان العالم المتحضّر تفرض نسباً عالية من التشغيل لمواطنيها عند تأسيس الشركات والمشروعات على أراضيها، وهو ما لم تفعله الإمارات تسامحاً واعترافاً بفضل كل من ساهم ويساهم في بناء نهضتها من أبناء الدول الشقيقة والصديقة من جهة.
ومن جهة أخرى لترك الحرية لأصحاب الشركات لتقدير هذا الأمر من تلقاء أنفسهم، لأدركنا أهمية ما يشكّله هذا الموضوع بالنسبة للدولة للدرجة التي استدعت تدخلاً مباشراً من القيادة، وهو ما لا يحدث عادة إلا عندما تخرج الأمور عن مسارها الصحيح.
والسؤال الذي قد يتقافز إلى الذهن بداية هو: هل هناك فعلاً بطالة في الإمارات بالمعنى المتعارف عليه ؟ المعروف أن أعداد العاطلين في أي بلد تتزايد عند حدوث تباطؤ في النمو أو كساد في الاقتصاد أو تراجع في النشاط بمختلف القطاعات أو لأي سبب آخر، فهل هناك شيء من ذلك في الإمارات؟
الإجابة قطعاً بالنفي. في بلد يشهد مرحلة من النمو والنهوض الاقتصادي والمالي والعمراني ما جعلنا محطّ أنظار العالم أجمع ، كما عبّر عن ذلك سموّه في كلمته التي ألقاها أمام حشد من أعيان البلاد والفعاليات الاقتصادية ورؤساء الشركات في القطاع الخاص، في بلد يعجّ بالعمالة من مختلف بلدان العالم ويعطي الفرصة للكسب .
والعيش بأمان للجميع، في بلد يقود مسيرة التنمية في المنطقة بشهادة الجميع وتُضخ فيه الأموال بالمليارات لتنفيذ مشاريع عملاقة تقوم بها كبريات الشركات واجتذبت كبار المستثمرين، بل وتعدت استثماراتها حدود المنطقة إلى مختلف بلدان العالم، لا يمكن أن تكون هناك بطالة بالمعنى التقليدي للمصطلح.
ما الحكاية إذن؟
الحكاية أن هناك هرماً رأى سموّه بثاقب نظره أنه ليس في وضعه الصحيح، بل هو هرم مقلوب وأن العربة كما يُقال، أصبحت أمام الحصان، أي أن الوضع أصبح معكوساً، فنسبة العاملين من المواطنين في القطاع الخاص لا تتجاوز 2% في الوقت الذي يُعتبر فيه هذا القطاع مسؤولاً عن تنفيذ 80% من مشروعات التنمية.
والإحصائيات في هذا المجال كثيرة، الشركات التي يسّرت لها الدولة كل أسباب العمل والنجاح والربح تستقدم الآلاف من مختلف بلدان العالم وتتجاهل أبناء البلد ويتذرع البعض منها بذرائع غير معقولة.
وغير منطقية بأن المواطن غير قادر على العمل والإنتاج والإبداع، كلام مغلوط يدحضه ما أثبته العديد من أبناء هذا البلد من كفاءة عالية يُشهد لها بتحقيق نجاحات باهرة في القطاعين العام والخاص.
نحن لا نقول أنه لا يوجد عناصر سلبية فليس هناك مجتمع يخلو منها ولكنها قلة ولا يجب أن يؤخذ الكل بجريرة البعض ويُعمم الحكم. كان لا بدّ إذن من وقفة جريئة لوضع الأمور في نصابها وقطع الطريق أمام تلك الشركات لمثل هذه الذرائع.
وكما عوّدنا سموّه فإن مثل هذه المبادرات تأتي في الوقت المناسب عندما تتفاقم الأمور وتصل إلى طريق مسدود أو إلى مفترق طرق فيكون القرار الشجاع هو الفيصل بلا منازع لاتخاذ المسلك الصحيح.
وفي استعراض سريع لبعض ما جاء في المبادرة نقول إنها جمعت في منظومة متكاملة كافة أطراف المعادلة حيث جاءت بعد دراسة علمية دقيقة وشاملة وبعين ترصد بدقة وتراقب وتتابع كل ما يجري ويدور. فخاطبت الشباب أولاً باعتباره الركيزة الأساسية.
والذي يتمحور حوله الموضوع حين قال سموه بعد الإشارة إلى النهضة الاقتصادية والمالية والعمرانية التي تشهدها الدولة هذه الأيام » أن رُقيّ الأمم لا يُقاس بعمرانها واقتصادها فقط بل بمدى كفاءة شبابها وتطور أهلها.
إنه سباق متلازم لا ينفصل فيه تقدم على آخر«. وفي موضع آخر من الكلمة يستطرد قائلاً: » بكلام واضح وصريح أريد أن يكون شبابنا وشاباتنا نخبة تسعى الشركات الخاصة إلى توظيفها« .
هذا الكلام ينطوي على كمّ هائل من الثقة بقدرات أبناء هذا البلد، وهو يستنهض فيهم هذا الشعور بالثقة في أنفسهم إدراكاً منه أنهم ربما كانوا بحاجة إلى حافز يستمدون منه العزيمة والإرادة. وهو لم يتحدث من فراغ أو محض خيال لأنه يسوق التجربة برهاناً عملياً على ذلك حين يقول:
» لقد أثبت شبابنا حضورهم الفاعل في أنجح الشركات الحكومية وفي الدوائر والأجهزة المدنية والعسكرية، ولو شئت أن أعدد لكم الأسماء والإنجازات لبدأت وما انتهيت«.
عندما يصدر هذا الكلام من رجل في مثل هذا الموقع والمسؤولية القيادية لا بدّ أن يُثمّن بما يستحق من تقدير، فهو يعرف هدفه ويسعى إلى تحقيقه بكل ما لديه من أدوات وأهمها العنصر البشري، ثم إنه كما عهدناه عمليٌّ في توجهاته، مُقلّ في كلامه، يعرف أن أقصر الطرق إلى نقطتين هو الطريق المستقيم.
ولأن هذا هو أسلوبه فقد عبّر عن ذلك ذات مرة عندما قام بافتتاح مركز دبي المالي العالمي، إحدى المبادرات العديدة التي أطلقها سموّه، قائلاً أنه » في حين يكتفي الآخرون بالكلام وينشغلون في التخطيط ويترددون في التنفيذ فإننا نبادر إلى الفعل .
ونحقّق الإنجازات ونمضي بجسارة نحو المستقبل« مضيفاً » لقد أثبتنا بالدليل القاطع أن الإنسان حين يمتلك الشجاعة والالتزام لتحويل الحلم إلى حقيقة فإن شيئاً لا يثنيه عن عزمه«.
عندما وجّه كلامه للشباب لم يشأ أن يُحمّلهم المسؤولية عن غيابهم عن الحضور القوي والفاعل في القطاع الخاص. ولم يشأ أن يُحمّل القطاع الخاص نفسه المسؤولية وحده عن هذا الغياب، ولكنه قال في صراحة وشجاعة معهودتين إن المسؤولية مشتركة بين الحكومة والقطاع الخاص.
وقال في معرِض ذلك » لسنا ممن ينامون على أمجادهم، ولا تكفينا أمجاد القطاع العام وحدها. لسنا ممن يكتفون بإلقاء اللوم هنا أو هناك دون أن يقوموا بكل الجهد المطلوب لتغيير الواقع إلى الأفضل«.
فهو يستشعر ثقل المسؤولية ويدرك معنى أن يكون الإنسان قدوة، لذلك أراد أن يضرب المثل بالمشاركة الفعّالة. إن الأمر ليس مجرد شعارات أو إصدار قرارات أو تعليمات، إنه قول مقرون بعمل، يحمل في ثناياه حنو الأب على أبنائه وحس المشاركة لإخوانه للوصول بالسفينة إلى برّ الأمان.
لم يشأ أن يجعل الأمر إلزاماً بل التزاماً عن اقتناع وقناعة، مؤكداً أنّ الوطنية هي المحكّ وهي ممارسة وعمل وعلى الشركات رد الجميل، وكان ذلك في صيغة »برنامج الإمارات لتطوير الكوادر الوطنية«.
البرنامج باختصار يُجسّد الفكرة في هيكل عملي وصولاً إلى تحقيق أهدافه ويضع الإطار العام لتلافي أية سلبيات يراها أي طرف في الآخر، سواءً من جانب المواطنين الباحثين عن عمل أو الشركات التي لها رأي مغاير في المواطنين، فكان أن حدّد هدفين:
الأول هو منح الكوادر الوطنية كل ما تحتاجه من خبرات معرفية ووظيفية تؤهلها لتلبية احتياجات سوق العمل في القطاع الخاص. والثاني:
توعية القطاع الخاص بقدرات الموارد البشرية الوطنية وتغيير أي صورة نمطية سلبية عنها. ثم جاء إشراك القطاع الخاص في إدارة البرنامج بصفته المعني مباشرة به، وذلك من خلال مجلس أمناء يساهم في التنسيق بين البرنامج وشركات القطاع الخاص ويتابع تفاعل الشركات مع خرّيجي البرنامج.
إنها منظومة متكاملة، تجمع كل الخيوط وتصهر كل العناصر في بوتقة واحدة، بالتعاون مع كافة الجهات المعنية بالموارد البشرية في الدولة، حيث .
والمعاهد والجامعات لتلبية احتياجات سوق العمل، والقطاع الخاص لإتاحة المزيد من فرص العمل للشباب، مؤكداً سموّه أن البرنامج لن يتأخر عن تلبية احتياجات جميع الشركات على امتداد أرض الوطن.
باختصار لقد حشد كل أسباب النجاح للعمل ووضع الجميع أمام مسؤولياتهم، كلٌ فيما يخصه، وهو يعلم، بقناعته وثقته في قدرات أبناء بلده، أن الجميع أهل للمسؤولية كما عبّر عن ذلك في كل مناسبة.
وإذا كان هناك من يرى أية صعوبة في تحقيق أهداف هذا البرنامج فلينظر إلى تجربة أثبتت نجاحاً هائلاً وحققت معدلات كبيرة في نسبة التوطين في فترة قياسية، وأعني بذلك تجربة القطاع المصرفي في الدولة. فقد أُنشئت لجنة تنمية الموارد البشرية في القطاع المصرفي عام 1996 لإيجاد السبل الكفيلة بتعزيز هذا القطاع .
وزيادة نسبة العاملين فيه من المواطنين باعتباره أحد أهم القطاعات بسبب ما يُمثّله من شريان حيوي تجري فيه كل ما يتجمع من مدّخرات للأفراد والمؤسسات ومن ثم توجيهها بما يخدم الدولة والمجتمع من تمويل للاستثمارات وبرامج وخطط التنمية في مختلف القطاعات.
ومع الإقرار بأن اللجنة واجهت في البداية صعوبات كثيرة فيما يتعلق بتحقيق المعدلات المطلوبة، إلا أنه مع الإصرار والمثابرة أمكن تذليل الكثير من هذه الصعوبات وأصبحنا نلمس مزيداً من التجاوب من كافة البنوك باستثناء القلة وهي في سبيلها أيضاً لإظهار مزيد من التعاون.
وبعد صدور قرار مجلس الوزراء رقم 10/98 الذي يُلزم البنوك بزيادة نسبة المواطنين العاملين لديها بواقع 4% سنوياً ارتفع عدد المواطنين العاملين في القطاع بشكل ملموس.
يُذكر أنه في عام 1997 كان عدد المواطنين العاملين في القطاع المصرفي (1278) ارتفع إلى (5586) حتى يونيو 2005. كما ارتفعت نسبة المواطنين من 9,38% في عام 1997 إلى حوالي 27% حتى في نفس التاريخ حسبما يوضح الجدول التالي:أعداد ونسب العاملين والمواطنين في القطاع المصرفي منذ بداية 1997 ـــ يونيو 2005
وعلى الرغم من أن هذه الزيادة تعتبر جيدة كما قلت إلا أنها ما زالت دون الطموحات واللجنة تسعى جادة بالعمل والمثابرة والمتابعة والإصرار والتعاون ومحاولة إيجاد وسائل التحفيز والتشجيع للبنوك لتحقيق النسبة المطلوبة.
لقد ضربت هذا المثال لأنه تجربة حيّة ما زلنا نعيشها ونشهد ثمارها يوماً بعد يوم، وهي قابلة للتطبيق في كافة القطاعات لأن القطاع المصرفي ليس استثناء، وطريق الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة.
إننا مهما كتبنا عن هذه المبادرة فإننا لن نوفيها حقها لأنها ربما تحتاج إلى كتاب، فهي استراتيجية شاملة بعيدة المدى ولا بدّ أن كافة الأطراف المعنية شرعت بالفعل في وضع الآليات اللازمة لإدخالها حيّز التنفيذ لتبدأ المسيرة نحو الهدف المنشود، وسيحظى البرنامج باهتمام مباشر ومتابعة عن قرب من سموّه وفي ذلك ما يضمن له النجاح بإذن الله.
بقي أن نقول أن سموّه لم يغفل أن ينوّه بالشركات ورجال الأعمال الذين طبّقوا بالفعل برامج لتشغيل المواطنين واستقطابهم وأثنى عليهم وشكرهم، وهذا ليس بغريب على سموّه فهو جزء من رؤيته، أن يقول للمحسن أحسنت تشجيعاً وتحفيزاً للوصول إلى الأمثل، وللمسيء أسأت ليراجع نفسه ويُصحّح أخطاءه.
إن التنمية بالوتيرة التي تشهدها الدولة تحتاج إلى حشد شامل لكافة الإمكانيات والقدرات لنحافظ على هذا الزخم المتدفق من النجاح والذي استفاد منه القطاع الخاص كثيراً. لا بدّ أن ينعكس هذا النجاح على أهم شريان في المجتمع وهو الشباب بما يمثله من طاقة دفّاقة لن يُفيد أحداً أن تضيع سدى في الانتظار.
نائب رئيس لجنة تنمية الموارد البشرية في القطاع المصرفي