هناك مقولة قديمة بأن »المتاعب تأتي ثلاثاً«، لكن بالنسبة لشعبية الرئيس بوش في الولايات المتحدة وقيادة أميركا في الخارج، فإن المتاعب تأتي تسعاً.
ربما كان من المتوقع أن تؤدي الأعاصير المتوالية علينا من الكاريبي إلى تعزيز سمعة بوش بوصفه قائداً قوياً، فلقد حدث شيء كهذا بالفعل بعد هجمات 11 سبتمبر على نيويورك وواشنطن، عندما خرج بوش متوشحاً بالعلم الأميركي، مثل جون واين بطل أفلام »الكاوبوي« المعصوم عن الخطأ، ووقفنا نحن الوطنيين المفجوعين تقديراً لحزمه وصلابته الحاسمة.
لكن الأمور تغيرت كثيراً بعد الحملة الأميركية ضد أفغانستان والعراق. فهذه المرّة كان قادتنا هم الذين أخذونا إلى أنشطة استباقية تؤدي بشكل متواصل إلى موت المزيد من الشبان الأميركيين،.
ويرى الناخبون كل ليلة على شاشات التلفزة أن العراق مستنقع أسوأ مما كان عليه المستنقع الفيتنامي قبل 25 عاماً. وفي قرارة أنفسهم يدرك معظم الأميركيين داخل وخارج القوات المسلحة بأن الولايات المتحدة، عاجلاً ام آجلاً، ستنسحب من العراق قبل وصول ديمقراطية سلمية إلى هناك.
ايران وكوريا الشمالية تبتهجان بشقاء الولايات المتحدة وبريطانيا. وان سن قانون لتجنيد شبابنا بالخدمة الالزامية في قوات مسلحة أكبر حجماً، في شأنه أن يقلص بشكل حاد جداً فرص أن يأتي بعد بوش رئيس جمهوري متعاطف مع قضية المحافظين القائمة على تقليص برامج الرفاه الاجتماعي التي يستفيد منها الفقراء والمعوزون .
ومن شأن وصول رئيس ديمقراطي إلى البيت الأبيض ان يهدد مستقبل الهبات الضريبية الممنوحة لنا نحن الأثرياء والتي ستحتاج إلى إعادة تشريع عندما يتقاعد بوش في مزرعته بتكساس.
وليس بوسع أحد قط ــ وبالأخص الاقتصادي الضليع بن بيرنانك الذي سيخلف آلان غرينسبان في رئاسة بنك الاحتياطي الفيدرالي ــ أن يكون متفائلاً هذه الأيام بأن القوة الحديثة التي اكتسبها الدولار أخيراً سوف تدوم إلى المستقبل القريب أو البعيد.
لقد أدت الأعاصير والارهاب والانتشارات الخارجية الحمقاء التي قامت بها قيادتنا إلى تسريع النزوع السلبي إلى زيادة مديونية أميركا للأجانب، وتسريع النزوع إلى الانفاق على حساب عجز الميزانية.
ماذا تعني هذه المحن الأميركية بالنسبة للمشهد العالمي المرتقب في فترة 2006ـــ2008؟من الطبيعي أن أي تنبؤ في هذا الصدد يجب أن يتوخى الحذر وينبغي دائماً الحكم عليه بحذر أيضاً.
أولا، دعونا نسأل ما اذا كانت ستبزغ أي قاطرة أوروبية اقتصادية قوية لتدعم نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وبينما لاتزال البلدان الأساسية في الاتحاد الأوروبي ــ ألمانيا، فرنسا، ايطاليا ــ تعاني من معدلات بطالة مزمنة تساوي ضعف معدلات البطالة في الولايات المتحدة أو حتى في الدنمارك، فإنني لا أرى سوى قليل من الأمل العقلاني بالحصول على المساعدة من مثل هذه المصادر الأوروبية.
في سنوات الحرب الباردة قبل 1990، كان الاتحاد السوفييتي يمثل قطباً في ثنائية الزعامة العالمية إلى جانب الولايات المتحدة، والآن أصبح هذا شيئاً من الماضي.
وفي الذاكرة الجماهرية، يجلب هذا الوضع اسم الصين الى الواجهة، هل ستكون هناك نهضة لقاطرة صينية اقتصادية ربما تتقاسم الحمل مع القاطرة الأميركية؟
هذا السؤال لا يقبل إجابة تلقائية سريعة صحيح أنه بين الوقت الحاضر وعام 2050، سيتعين على أميركا تقاسم قيادتها العالمية مع الصين، لكن في العقد الحالي 2000 ــ 2010، ربما تكون الصين عامل فتور اقتصادي لبقية العالم بقدر ما هي عامل تحفيز.
كيف يكون هذا؟ صحيح ان الصين تشتري الكثير من الخارج، لكنها أيضاً تبيع الكثير للخارج، وهي تبيع الكثير في تنافس مع الشركات التي توفر الوظائف للعمال خارج الصين.
ولو كانت الصين قوة مضافة إلى القوة التحفيزية الأميركية، لكانت المعادلة هي 1 زائد 1 يساوي 2. لكن فقدان الكثير من الوظائف الأميركية نتيجة للمنافسة الصينية يعني ان أي اندفاع أمامي للقاطرة الصينية هو على حساب تضاؤل قوة دفع القاطرات الأميركية.
وهذا يقودني إلى تنبؤين بديلين للولايات المتحدة. وسأناقش أولاً النبوءة الأكثر أرجحية والأقل تشاؤماً. في هذه النبوءة، يمكن لأسعار نفط أوبك ان تبقى مرتفعة بحدود معدل 50 دولاراً للبرميل. لكن لا ينبغي لها ان تتصاعد إلى 70 دولاراً أو أكثر.
ومن شأن مثل هذه النتيجة المعتدلة ان تقلص احتمالات حدوث تضخم وركود في الاقتصاد الأميركي على نحو يغري بنك الاحتياطي الفيدرالي في عهد رئيسه الجديد لرفع أسعار الفائدة الأميركية بشكل حاد للوفاء بتعهدات بإبقاء معدلات التضخم دون 2.5 بالمئة سنوياً.
والسيناريو الذي تستند إليه نبوءتي الأولى يستبعد احتمال انفجار فقاعة سوق العقارات الأميركية، ولأن بنوكنا لم تفرط اليوم بالاقراض كما فعلت في الثمانينات عندما انفجرت فقاعة العقارات بشكل مؤذ للغاية، فإنني سوف أتكهن بأن اقتصادنا يستطيع ان ينجو هذه المرة إذا حدث انخفاض في أسعار المنازل.
وما من شأنه أن يؤدي بالولايات المتحدة الى نبوءتي الثانية الأكثر تشاؤماً، هو تجمع التطورات السلبية: انخفاض أرباح الشركات، انهيار أسعار أسهم وول ستريت، حدوث اهتزازات في مستويات الانتاجية وتفاقم الهزات الناتجة عن ارتفاع أسعار نفط اوبك، ومن شأن مثل هذه التطورات ان تعزز الهبوطات الأخيرة في مؤشرات الأسهم.
وأنا اتفق مع الآراء القائلة بأن حدوث ركود أميركي فعلي في 2006 مع بعض الانخفاضات في معدل الناتج المحلي الإجمالي، من شأنه ان يؤدي الى كبح نمو المخرجات العالمية، وسيظهر تأثير هذا في القارات الأربع، في أسواقها المضاربة وفي معدلات البطالة فيها.
هل سيأتي يوم نتذكر فيه عهد كلينتون، بفوائضه في الميزانية وتسارعاته في الانتاجية وصونه لعهود الرفاه الاجتماعي، على أنه عصر ذهبي مفقود.
خاص لــ "البيان"