هناك مسألة مهمة، بات السكوت عنها ذنبا يصل إلى حد الخطيئة في حق الإسلام، كمعتقد ومعطى حضاري وتصور كوني، ألا وهي استضافة بعض الفضائيات العربية والأجنبية وجوها بعينها، وتقديمها للمشاهدين على أنها تمثل وجهة نظر الإسلام في قضايا محددة.
ولو كانت هذه الوجوه تطرح نفسها للناس على أنها تمثل ذاتها، وتدلي بدلوها في أي مسألة كانت وتقول صراحة أن ما تفوهت به يمثل رأيها، لهان الأمر، إذ إن حق التعبير يجب أن يكون مكفولا للجميع مهما بلغت آراؤهم من حدة أو غرابة.
لكن المصيبة أن هؤلاء يسحبون تصوراتهم الخاصة.
والمخطئة في أغلب الأحيان، على الإسلام برمته، بل على »النص المؤسس« وهو القرآن الكريم، مستغلين رحابة هذا النص وانفتاحه وحمله لأوجه متعددة في تخريج تفسيرات تبرر ما يسلكونه، حتى لو كان مضرا بمصالح الإسلام والمسلمين الآنية والآتيـة.
ومن أسف فإن كثيرا ممن يطلون علينا من شاشات التلفاز، ويسهبون في مناقشة ما بين الإسلام والسياسة المعاصرة من اتصال، هم محترفو سياسة وليسوا علماء دين، أغلبهم قد دفنوا رؤوسهم في بطون الكتب الصفراء التي دبجت في قرون رحلت، وراحوا ينهلون منها ويمطرون أهل زماننا بكلمات مسجوعة لا تنهض بواقع ولا تشفي غليل، ولا تجلي حقيقة، ولا تنفع أتباع أي دين.
فأبطال الفضائيات هؤلاء منفصلون تماما عن السياق الاجتماعي ـ السياسي الراهن، الذي يتطلب خطاباً مختلفاً عن ذلك الذي يصدرونه إلينا في مختلف وسائط الإعلام، سواء المقروء منها أم المرئي والمسموع.
ولو أن هؤلاء فكروا مليا في مصلحة الإسلام لكفوا تماما عن الكلام، وانكبوا على الواقع المعيشي يدرسون معطياته جيدا، ويتلمسون ما تريده الغالبية العظمى من المسلمين، قبل أن يتحدثوا، بشكل قطعي وإطلاقي، عن تصورات الإسلام للمشكلات الدولية المعاصرة.
وعلاقة المسلمين بـ»الآخر«، ومسألة النزاع بين مختلف فصائل الجماعات والتنظيمات السياسية ذات الإسناد الإسلامي وأنظمة الحكم في العديد من البلدان العربية والإسلامية.
ورغم أنني لا أميل إلى تفسير كل شيء يجري للعرب والمسلمين حسب »نظرية المؤامرة«، وأؤمن بأن الانصياع والاستسلام لهذا التصور لن يفيد في حل أي مشكلة، فإن الإصرار على تقديم هذه الوجوه في الإعلام الغربي على أنها لعلماء الإسلام ورموزه لا يخلو من قصد سيء، قد لا يستهدف »العقيدة الإسلامية« في بعدها الروحي، لكنه ينال من تصورات الإسلام الحياتية.
ويخصم من رصيد المسلمين المعتدلين، سواء كانوا فقهاء أو حتى ممارسي سياسة باسم الإسلام أو تحت رايته، ويؤثر سلبا على حياة الجاليات المسلمة في الغرب، التي تعاني الآن أشد معاناة، وتجد صعوبة جمة في التمدد والتمكن داخل المجتمعات الأوروبية والأمريكية، بعد أن كان هذا في مقدورها، وكانت تفيد منه الإسلام والمسلمين في شتى أرجاء الأرض.
وما يزيد الطين بلة أن أبطال الفضائيات هؤلاء ليسوا ضيوفاً دائمين على الإعلام الغربي فحسب، بل أيضا على قنوات فضائية عربية، تبحث عما يثير، من موضوعات وأشخاص، دون أن تعنيها كثيرا، رسم ملامح معتدلة للتصور السياسي الإسلامي، أو تقديم الوجوه المسلمة السمحة، والأفكار الدينية الرحبة، التي تحبب الناس في الإسلام.
ولا تنفرهم منه، وهذه مسألة، فضلا عن كونها من صميم الدعوة الإسلامية القائمة على »بشروا ولا تنفروا«، فإن التمسك بها وممارستها باتت ضرورة في هذه الآونة، التي يتعرض فيها الإسلام لتشويه.
وإذا كانت الفرصة معدومة في منع هؤلاء من ادعاء تمثيل وجهة نظر الإسلام، أو منع القنوات الفضائية العربية والأجنبية من استضافتهم، فإن المتاح هو بث إعلام مضاد، يرفع عن الإسلام ظلما لحق به بأفعال المتشددين وأقوالهم، تشارك في صنعه عقول مستنيرة تعي الواقع وتدرك جوهر رسالة الإسلام.
وأصحاب هذه العقول متواجدون، في كل قطر إسلامي، لهم كتابات عديدة، ومواقف مشهودة، ينتظرون فقط من يفتح لهم نافذة »محترمة« ليطلوا على الناس برؤى تخفف من وطأة ما صنعه المتشددون الإسلاميون من أبطال الفضائيات.
في مشارق الأرض ومغاربها، من صور سلبية للتدين الإسلامي، وما سببوه من أضرار بالغة للمسلمين، دفعوا وسيدفعون ثمنا باهظا في مقاومتها، والتخلص من آثارها المريرة.
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ــــ القاهرة