نبأ اعتزام الرئيس الأميركي بوش ذات يوم من العام الماضي إسكات صوت قناة »الجزيرة« الفضائية عن طريق القصف الصاروخي لا يدرك مغزاه الحقيقي خارج سياقه، ذلك السياق الذي يتضمن إطلاق قذائف مباشرة من دبابة على فندق بغدادي يستضيف صحافيين أجانب.
واحتجاز أكثر من 500 مسلم في معسكر غوانتانامو سيء الصيت دون توجيه اتهام فضلاً عن محاكمة، وإدارة سجون سرية للتعذيب في بلدان أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى وغيرها واستخدام أحد أسلحة الدمار الشامل داخل العراق.
بالإضافة إلى اغتيال أو احتجاز إعلاميين تابعين لفضائية »الجزيرة« وقصف مكتب القناة في أفغانستان.إنه سياق قبيح دون أدنى شك وبأي معيار يستوحى من المبادئ الديمقراطية ومبادئ احترام حقوق الإنسان.
وإذن كيف يحق للولايات المتحدة أن تقدم إلى العالم مواعظ عن حرية الإنسان وحقوقه الأساسية بما في ذلك »مشروع الشرق الأوسط الكبير« الذي تعرضه إدارة بوش على العرب؟
في الأسبوع المنصرم عمد الرئيس بوش خلال زيارته الرسمية للصين إلى »نصح« المسؤولين الصينيين بمراعاة تطبيق حقوق الإنسان. ولا شك أن الرئيس الصيني »هو جنتاو« قد تعجب أن يأتي مثل هذا النصح من رئيس دولة لم تعد معنية بسيادة القانون حتى بالنسبة إلى مواطنيها. فقد تحولت الولايات المتحدة إلى دولة بوليسية.
لذا فإن خطاب الرد الذي ألقاه الرئيس الصيني خلا من أية إشارة إلى مسألة حقوق الإنسان وكأنه يقول لضيفه الأميركي: »إذا لم تستح فاصنع ما شئت«.
إن مجرد أن يفكر رئيس أميركي في اللجوء إلى القوة العسكرية الغاشمة للتعامل مع وسيلة إعلامية يقوم أداؤها على أساس مبدأ »الرأي والرأي الآخر« لا يعني فقط إفلاساً ديمقراطياً وفكرياً .
وإنما يعني في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة ليست دولة بوليسية فحسب بل أيضاً دولة عسكرية تعتمد العنف المادي مرتكزاً أوحد لسياستها في ساحة العلاقات الدولية.
مع انتشار النبأ بشأن قصف قناة »الجزيرة« يأتي نبأ تحرك الاتحاد الأوروبي طالباً من واشنطن »تفسيراً« لما أصبح متداولاً بقوة بأن الولايات المتحدة تدير سجوناً سرية مخصصة للتعذيب المنهجي في عدد من دول أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى.
وهكذا فإنه حتى أقرب الحلفاء إلى واشنطن أخذ ينتابهم القلق من ممارسات الحليف الأكبر مع تصاعد حدة الاحتجاجات الشعبية في بلدان أوروبا الغربية. وربما ما خفي كان أعظم.
في سياق الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي أطلق الرئيس الأميركي السابق رونالد ريغان على الاتحاد السوفييتي نعت »امبراطورية الشر«. وهو نعت يصدق على الولايات المتحدة بأكثر مما كان يصدق على الاتحاد السوفييتي.