محاولات اسرائيل لتهويد مدينة القدس، بهدف توحيدها وتحويلها الـى»عاصمة أبدية« للدولة العبرية، قديمة. بدأت بعد احتلال بيت المقدس، في يونيو 1967، وقد اتخذت أكثر من شكل وصيغة، تراوحت بين مصادرة الاملاك وتصعيد اجراءات التضييق، مروراً بسد المنافذ على الشق الشرقي واحاطته بالمزيد من البؤر الاستيطانية.

كافة الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة كانت ضالعة بهذا المخطط، بدرجة أو باخرى. لكن حكومة شارون لم تنجز فقط الشق الأخطر من هذا التوجه، بل هي تقوم الآن بانجاز الحلقة الأخيرة منه بهدف ضرب عصفورين بحجر واحد:

ـ رفع درجة التضييق على المقدسيين وبصورة ترمي إلى »تطفيشهم« من المدينة. ـ خلق وقائع عنيدة على الارض تمنع تحول القدس الشرقية إلى عاصمة لدولة فلسطينية موعودة.

وقد بلغ المخطط هذا نقطة تلامس خط اللاعودة، بحيث حمل الأوروبيين على رفع صوت التحذير ودق ناقوس الخطر. وقد تعمد الاتحاد الاوروبي، الذي ترأسه بريطانيا الآن، اعلان الاعتراض على هذه السياسة الاسرائيلية، علّ ذلك يساهم في لجمها وتكثيف الضغوط على حكومة شارون لتغيير مسارها، تجاه المدينة المقدسة.

التحذير الاعتراضي احتواه تقرير رفعته الخارجية البريطانية ـ حسب جريدة الغارديان ـ إلى الاتحاد الاوروبي، بصورة سرية، يتضمن »اتهام اسرائيل بالعمل على ضم القدس الشرقية، عبر الاستيطان وبناء الجدار«، وبما يكفل »منع هذا القسم من المدينة من ان يصبح عاصمة لدولة فلسطينية .

ومع ان التقرير له طابع السرية، الا انه جرى تسريبه بنية فضح الخطة الاسرائيلية، التي عرض التقرير صورة مفصلة عنها، مع التشديد على ما يجري من »استيلاء على اراض عربية داخل المدينة المقدسة القديمة وتخومها«.

والأخطر كما يذكر التقرير ان »هذا الضم للاراضي لن يكون قابلاً للرجوع عنه«. فهو يؤدي إلى »التحكم بمداخل الشق الشرقي«، ويهدف من جملة ما يهدف، إلى ضغط الواقع« الديمغرافي الفلسطيني بحيث تبقى نسبته اقل من 30%، مما يحد بشكل كبير آفاق التوصل إلى حل على اساس دولتين«.

ويؤكد التقرير على ان كل هذه النشاطات »مخالفة لخريطة الطريق وللقانون الدولي«. وأوصت الوثيقة الاوروبية باتخاذ »اجراءات أكثر شجاعة«، ازاء هذه الممارسات.

طبعاً أبدت اسرائيل استياءها من هذا الموقف ومن تسريبه، ولابد انها تخشى من مواصلة تسليط الاضواء وبالتالي الضغوط على التفافها الخبيث، حول وضعية مدينة القدس. واذا كان التقرير قد رمى الكرة في ملعب اللجنة الرباعية.

وبالذات واشنطن، حاضنة »خريطة الطريق« المهددة الآن بهذه الاجراءات الا انه أيضاً شكل صرخة علها توقظ الوضع العربي من سباته العميق، وتحمله على التقاط الموقف الاوروبي والاستقواء به لانقاذ القدس، قبل فوات الأوان فهل يفعل؟