تحمل القمة الأولى للشراكة الأورومتوسطية أو عملية برشلونة التي تعقد غدا وبعد غد، الى جانب طابعها الاحتفالي بمرور عشر سنوات على انطلاق الشراكة في برشلونة، رسالة مستقبلية عن التزام جماعي على أعلى مستوى بإعطاء دفع لهذا الاطار التعاوني .

وبتعزيزه، لكن القمة أيضا توفر الفرصة ـ أو يفترض ان تكون كذلك ـ لتقويم انجازات الشراكة ومجالات القصور التي عانت منها، وربما بلورة الخطوط العامة للأولويات المشتركة.

فالعالم المتوسطي على شاطئه الجنوبي العربي وكذلك على شاطئه الأوروبي قد شهد تحولات أساسية ومستمرة منذ انطلاق الشراكة في منتصف العقد الماضي.

فالانسداد والتوتر والتأزم يطبع المشهد المشرقي على الصعيد الفلسطيني الإسرائيلي بدل الانفراج الواعد الذي حققه عشية انطلاق الشراكة، مؤتمر مدريد ومعه أوسلو.

وتزيد المسألة العراقية من تعقيدات الوضع، ومغاربيا، رغم انتهاء الحرب الداخلية في الجزائر، استمرت مشكلة البطالة وتزايدها في المغرب العربي في ظل الانسدادات الهيكلية وغياب أي أفق للاندماج المغاربي لأسباب سياسية:

البطالة التي هي المسبب الأول للهجرة مصدر القلق الأساسي في أوروبا خاصة عندما يختصر التعامل مع عنصر الطرد الاقتصادي الاجتماعي والعامل الإنساني أيضا، كمشكلة أمنية في اجواء »ما بعد 11 سبتمبر« وتحدي الارهاب المنتشر في الفضاء المتوسطي بعمقيه العربي الإسلامي والأوروبي، إلى جانب عملية التوسع الأوروبي الجارية وتأزم عملية البناء الأوروبي.

كلها عناصر أحدثت تغيرا أساسيا في بيئة الشراكة الاورومتوسطية وفرضت حالها على مستقبل الشراكة. أهم هذه الأسئلة والهواجس التي على القمة اطلاق عملية البحث عن أجوبة عليها هي التالية:

أولا: تأثير عملية التوسيع الأوروبية المستمرة شرقا على موقع »الجنوب« المتوسطي على جدول الأولويات الخاص بالاتحاد الأوروبي وتأثير ذلك التوسيع أيضا والانشغال بالداخل الأوروبي على قدرة الاتحاد الأوروبي على بلورة سياسة خارجية مشتركة.

ثانياً: هنالك حقيقة استقرت في الفضاء المتوسطي تتعلق بما نسميه بجدلية العلاقة بين الضاحيتين:

الضاحية الجنوبية لأوروبا وضواحي المدن الأوروبية ومع هذه الجدلية كيفية التعامل مع ثنائية الاندماج والهجرة ومحاولة استعمال الثانية أوروبياً لتغطية مشاكل الأولى التي هي مشاكل أوروبية بامتياز والمطلوب »العمل على إحلال منطق الشراكة في التعامل مع مشكلة الهجرة الشرعية«.

ثالثاً: أهمية توضيح العلاقة المبهمة والضبابية بين عملية الشراكة وسياسة الجوار الأوروبي الجديدة فهنالك هاجس عند الدول المتوسطية بأن الثانية ستحل عملياً وفعلياً محل الأولى التي ستفقد بالتالي ما يعتبر تميزها في علاقات أوروبا الخارجية.

رابعاً: المطلوب بلورة مقاربة مشتركة في أطرافها وشاملة في أبعادها في التعامل مع مسألة الإرهاب وهي مسألة ضاغطة في خطورتها والمخاوف المشروعة التي تثيرها على ضفتي المتوسط وفي عمقيهما الجغرافي.

خامساً: طالما ان الشراكة الأورومتوسطية توفر الإطار الوحيد خارج الأمم المتحدة الذي تلتقي فيه الأطراف العربية في الصراع العربي الإسرائيلي وإسرائيل وفي ظل الانسداد والتأزم الحاصلين في دبلوماسية هذا الصراع صار المطلوب من الاتحاد الأوروبي القيام بدور سياسي أكثر فعالية .

وحركة في هذه الدبلوماسية على أساس المرجعيات الدولية ومرجعيات عملية السلام التي انطلقت في »مدريد«، مدريد التي تناساها الجميع، علماً أنه لولا »مدريد« لما انطلقت عملية برشلونة.

سادساً: القصور والعوائق في البعد الاقتصادي للشراكة تدفع باتجاه إعادة تحديد أهداف أكثر تركيزاً وأكثر تواضعاً من خلال تنمية قطاعات اقتصادية استراتيجية تقوم بدور الرافعة الاقتصادية في مجتمعات الجنوب مثل قطاع الطاقة والبنى التحتية الإقليمية والمياه والتعليم النوعي ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم.

سابعاً: هنالك تحد مغاربي أساساً قوامه العمل على تحقيق الاندماج الأفقي، اندماج جنوب جنوب من أجل تعزيز القدرة الإنتاجية والجاذبة للاستثمار في المغرب العربي وزيادة القدرة التنافسية للاقتصادات المغاربية.

ثامناً: المطلوب التفكير في ما هو أبعد من أطر التعاون القائمة، ليس لاستبدالها بل لتعزيزها من خلال العمل على إعادة إحياء الإطار الأوسع والاشمل وهو الإطار العربي الأوروبي رغم المعونات السياسية العربية القائمة. إحياء هذا الإطار بقدر ما هو مسؤولية عربية أساساً لجعله بنداً في العلاقات مع أوروبا يبقى أيضاً مصلحة أوروبية على الصعيد الاستراتيجي.

كاتب لبنان