هل يحتاج السياسيون إلى قراءة نتفٍ من الأدب لعلهم يحصلون على بوصلة أخلاقية تساعدهم على ترشيد سلوكهم السياسي واستخلاص العِبر الخيرة لتخفف من وطأتهم على رقاب البشر؟ فقد كان الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران يقول: "قراءة الأدب تجعل السياسي يكتشف إنسانية العالم".
لذلك يزعم المرء أن هناك بعض النصوص الأدبية الرفيعة بمقدورها فعل السحر في نفوس من يدشنون طواحين الدم، ونوافير الكراهية التي تغرق أكثر من بقعة على امتداد المعمورة.
تذكرت هذا الكلام وأنا أطالع كتاب "مكتوب" للروائي باولو كويلو، وهو عبارة عن ومضات إنسانية مؤثرة على غرار كتاب "النبي" لجبران خليل جبران.
تقول إحدى القصص: نجح أحد المزارعين في الفوز بجائزة وزارة الزراعة لتميز نوعية إنتاجه من الذرة، مما دفع أحد الصحافيين للتوجه إلى المنطقة التي يقيم فيها بهدف كتابة موضوع طويل عن قصة نجاحه.
وكان أول سؤال وجهه للمزارع هو كيف تمكنت من إحراز السبق في الإنتاج في تلك المنطقة بشكل متكرر وعبر عدة سنوات؟
أجاب المزارع: المسألة بسيطة، مع نهاية كل موسم حصاد أهدي جيراني بعضاً من البذور الجيدة.. فقال الصحافي في دهشة: توزع ما يميزك عن جيرانك، ألا تدرك أنهم أيضاً منافسوك، وسيسعون لتحسين نوعية إنتاجهم؟.. رد المزارع:أولاً عليك أن تدرك أن الرياح تحمل بذور اللقاح من مكان لآخر، وإذا استخدم جيراني بذوراً سيئة فسوف يتأثر إنتاجي بهذا السوء الموجود حولي... انتهت القصة.
وهنا نتساءل: هل لو أن الرئيس بوش قرأ هذه القصة أو ما شابهها كان فكّر في إرسال كارين هيوز وكيلة وزارة الخارجية الأميركية للدبلوماسية الشعبية لإنقاذ أميركا من موجة الكراهية التي تنهش سمعتها ووجهها؟.
لا نحتاج لمجهود كبير لكي نعرف أن الولايات المتحدة من أكثر الدول حصاداً للمُر الذي زرعته بمناجل سياستها الفظة، وطغمتها العسكرية؟..
الأمر الذي دعا كوندوليزا رايس إلى الاعتراف، في لحظة نادرة، بأن بلادها اكتشفت خطأ سياستها في الشرق الأوسط بعد ستين عاماً من الممارسات البشعة.. ما يعني أن الولايات المتحدة بدأت تعض أصابعها حيال جبال الكراهية التي شيّدتها حول نفسها دون مبالاة، ودون تحسب للثمن الطبيعي الذي سوف تدفعه حتماً يوماً ما.
اعتراف كوندوليزا رايس بكارثية سياسة بلادها، وجولات هيوز المكوكية لانتشال أميركا من رياح الكراهية يذكرنا بأغنية شحات الغرام".. وهو غرام صعب المنال مع من يتفننون في "قبلة الأفعى".
حال الناقمين على أميركا يمكن اختزاله في جملة واحدة: "كيف نصافحها بعد أن بترت أيدينا"..ولو تنازل سيد البيت الأبيض عن أحلامه الدموية، واطلاعه على التقارير الملغومة والمزيفة، وتفرغ قليلاً لقراءة الأدب الإنساني، لاكتشف أن الرادع الأخلاقي يمكن العثور عليه تحت وسادته على ضوء مصباح صغير في ليالٍ سيبقى المسؤول الأول عن حلكتها وتسميم أقمارها.
المسافة بين كويلو وبوش هي المسافة نفسها بين الرقي والتوحّش.