في هذه اللحظات التي يقوم فيها رئيس الوزراء المكلف الدكتور معروف البخيت بانتقاء فريقه الوزاري فإن المشاورات مع اطراف العملية السياسية في البلاد تأتي بمثابة نوع من الاتصال الاولي الذي يظهر مدى رغبة واستعداد رئيس السلطة التنفيذية للتعاون او التفاهم خلال فترة ولايته.
وفي المقابل تختبر تلك القوى وخاصة البرلمانية منها توجهات الرئيس والى حد ما اسلوبه في العمل، وعادة ما تدخل مرحلة التشاور الى طبيعة التشكيل ذاته عندما يتاح المجال لاقتراح عدد من الاسماء كمرشحين لتولي حقائب وزارية، وهذا كله يحدث في نطاق توافق جرت العادة على ممارسته في حدود معينة.
الدكتور البخيت الذي التقى بعد تكليف الملك عبدالله الثاني بن الحسين على الفور مع رئيسي مجلسي النواب والاعيان ورؤساء الكتل النيابية وشخصيات سياسية مستقلة لوضعهم في صورة منهجيته التي سيعمل على اساسها وفقا لكتاب التكليف السامي، لكن معظم فريقه الوزاري موجود في ذهنه وهناك وزراء مستمرون في الحكومات بسبب البرامج الاقتصادية التي يعملون على تنفيذها وتحتاج الى وقت اطول من الالتزام والمتابعة بغض النظر عن تغير الحكومات.
لكن رئيس الوزراء المكلف يريد على ما يبدو ان يكون للشخصيات التي سيختارها وقع حسن على المجتمع السياسي الذي يعتبر ان تشكيلة الحكومة ـ اي حكومة ـ تلعب دورا اساسيا في نجاحها او فشلها في تلبية المتطلبات الوطنية التي يتضمنها كتاب التكليف.
صحيح ان شخص رئيس الوزراء له الثقل الاكبر في ميزان الحكومات لكن التجربة علمتنا ايضا ان الوزراء هم الذين يحافظون على التوازن والانسجام داخل الحكومة او يفعلون العكس فيضطر رئيس الوزراء الى اجراء تعديل على حكومته بعد فترة وجيزة من تشكيلها أو يضطر الملك الى تغيير الحكومة حفاظا على سلامة الدولة وصونا لمؤسساتها وانجازاتها ومصالحها الحيوية، وضمانا لاستمرارية العمل الحكومي وفق رؤية متكاملة للاداء العام الذي يفترض ان يصب في عملية النهوض والتنمية الشاملة.
من هنا تصبح المشاورات فرصة اخيرة للرئيس المكلف كي يسمي اعضاء الحكومة متحملا بالطبع مسؤولية ذلك الاختيار والقبول بالاسماء التي تقترح عليه ما دام قد وافق عليها، وقد علمتنا التجربة مرة اخرى اهمية ان يدرس الرئيس اعضاء فريقه بعناية والا يقبل بالمجاملة والارضاء لانه هو المسؤول امام الملك وامام الشعب سواء عبر ممثليه او في مستوى الرأي العام الذي يحيط الحكومة باجواء ايجابية او سلبية وفقا لتصرفاتها.
نحب أن نميل الى التفاؤل وأن نرى في شخصية الدكتور معروف البخيت كل المقومات والشروط المطلوبة التي اختاره الملك طبقاً لها، فهو رجل سياسي عسكري اكاديمي دبلوماسي تدل سيرته الذاتية على انه قيادي من طراز رفيع، والاهم من ذلك انه عايش المفاصل الهامة في مسيرة الدولة خلال حياته العملية.
واقترب من الملك بما يكفي لكي يدرك متطلبات المرحلة المقبلة في ضوء حركة التجديد والتطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي التي يشهدها بلدنا وما تحتاجه من قوانين جديدة تفتح الطريق نحو مزيد من الديمقراطية والمشاركة الشعبية في اتخاذ القرار من ناحية وتعزز من حصون أمننا الوطني من ناحية اخرى.
مهام حكومة الدكتور البخيت كبيرة وثقيلة، والمرحلة التي يمر بها بلدنا وتمر بها المنطقة صعبة ومعقدة وتحتاج الى أكثر من عملية تكاتف وتضامن وطني نعتقد انها ممكنة اكثر من أي وقت مضى.