هل كان الشعب المصري يحب محمد علي مؤسس مصر الحديثة في بدايات القرن التاسع عشر وصاحب الإنجازات والإصلاحات غير المسبوقة؟مناسبة السؤال هي مرور 200 عام على تولي محمد علي القائد العسكري العثماني المقدوني الأصل (1769-1849) حكم مصر واستمرار أسرته العلوية من بعده في حكم البلاد لما يقرب من 150 عاما وحتى قيام ثورة يوليو 1952.
وفي المناسبة احتفل المؤرخون والمفكرون والباحثون في مصر في الأيام الماضية وخرجوا بالنتيجة التي استقر عليها التاريخ إنصافا لهذا الرجل بعد سنوات طويلة من حكمه وهي أنه كان صاحب مشروع نهضوي حمل في جنباته طموحات ضخمة لمصر ومستندا في محاولات تحقيقه على قراءة حصيفة لتاريخها
وتقديراً دقيقاً لموقعها الجغرافي والاستراتيجي بل ان أكثرية المؤرخين المعاصرين اعتبروا تجربة الزعيم جمال عبد الناصر امتداداً بدرجة ما لتجربة محمد علي في النهضة والإصلاح وعقدوا من أجل ذلك المقارنات بينهما رغم مفارقة أن ثورة يوليو التي قادها عبد الناصر قامت من أجل القضاء على حكم الأسرة العلوية التي أسسها الباشا محمد علي .. !
واحتفال المؤرخين في الندوات والمنتديات التي أقيمت في مصر خلال الأيام الماضية كان يحمل الحسرة على ضياع المشروع النهضوي .. ولكنه أيضا لم يجب عن سؤال : هل أحب المصريون محمد علي في زمنه وإذا كانت الإجابة بالسلب فلماذا أحبوه الآن ورفعوه إلى منزلة القادة والزعماء وصانعي التاريخ تأثراً بقول الشاعر القديم »رب يوم بكيت منه فلما صرت في غيره بكيت عليه«؟.
فرغم كل الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والثقافية التي حققها في زمنه إلا أن المصريين في ذلك الوقت رأوا فيه حاكماً مستبداًَ بعد أن انقلب على قادة الشعب الذين ساندوه وأيدوه ورفعوه على عرش مصر ضد الوالي العثماني في وقتها فكان أول ما فعله التخلص منهم فنفى الشيخ عمر مكرم خارج القاهرة وصادر أملاك المشايخ والأعيان والتجار واستولى على أوقافهم ودبر أشهر مذبحة في تاريخ مصر وهي مذبحة المماليك المناوئين له في الحكم ووصل جبروته واستبداده حداً لم يصله.
أي من الولاة العثمانيين السابقين له في الحكم منذ الاحتلال العثماني لمصر في عام 1517 وذاق المصريون في عهده صنوفاً من العذاب والهوان والآلاف التي تزور المسجد المهيب الذي شيده في حي القلعة بالقاهرة لا يعبأون بأنه مدفون هناك .
وإذا كان المؤرخون المعاصرون يرون في محمد علي صاحب مشروع نهضوي بعد 200 عام فإن مفكرين كباراً من أمثال الشيخ الإمام محمد عبده كانوا يعتبرونه مستبداً فقد قضى على الطبقة الوسطى في مصر »وأخذ يرفع الأسافل ويعليهم حتى انحط الكرام وساد اللئام« كما كتب الشيخ في مناسبة مئوية تولي محمد علي لحكم مصر .
لم يشفع المصريون له إنجازاته الضخمة وإصلاحاته الكبيرة ولم ينس له الناس ما فعله في أصدقائه من الرموز الوطنية فقد ظل حاكما حتى أصيب بخلل عقلي وهذيان و مات في أغسطس 1849 عن عمر يناهز الثمانين من عمره ولم يحضر مشهد جنازته لا غفير ولا كبير في مصر سوى حفنة من القناصل الأجانب
ولم تغلق المحال أبوابها كما هي العادة في مثل هذه الظروف فنقل جثمانه من الإسكندرية الى القاهرة عبر النيل وحيدا وكان مشهد الجنازة يبعث على الأسى وكأن الرجل لم يقدم ولم يؤخر ولم يكن مرحلة مفصلية في تاريخ مصر وأخرجه من ظلمات العهد العثماني .
فهل شعر الناس بالملل منه أم أنكروا جميله ولم يعفوا عنه ويسامحونه عما فعله ثم بعد 200 عام يبكون على يومه وزمنه بعد أن صاروا في يوم و زمن غيره يبكون منه ؟أم هي عادة الشعوب في نكران الجميل لمقاومة محرريه وباعثي نهضته ؟
ظاهرة تستحق الدراسة والتأمل فعلا ولكنه حكم الشعب وليس حكم التاريخ.