مع كل يوم يتلقى العرب والمسلمون دروساً نظرية بليغة من الغرب والأميركيين حول حقوق الإنسان، ونحن لا نمانع من تلقي الدروس الخيرة والبناءة من أي إنسان مؤهل لإلقاء مثل هذه الدروس، كما لا يوجد لدينا مانع في تلقي الحكمة من أي مكان على هذا الكوكب.

وحيث إن طلب العلم في شرائعنا فريضة، والسعي لتلقي الحكمة هدف، فليس في سعينا لتعلم الحكمة من شروط حول الإنسان أو المكان إلا مصداقية المعلم كأول معايير الأهلية، وبراءة المصدر في الواقع من زيف التطبيق.

في الوقت الذي لا يزعم فيه منا أحد للغرب أو للشرق أننا أبرياء من الجهل ببعض شرائعنا الغنية بالدروس في حقوق الإنسان، أو التجاهل لمعظم مبادئها في صياغة شئون الحياة.والسؤال هو.. هل تتوافر المصداقية والأهلية فيمن يلقون علينا الدروس، وهل في تجاربهم التطبيقية في الواقع ما يقنعنا بسلامة التطبيق؟

وبصورة محددة، هل هم يمثلون نماذج إنسانية صادقة، وهل هي تجارب تطبيقية صحيحة، وهل مواقفهم تنحاز إلى ما هو ثابت من مبادئ، أم إلى ما هو متغير من مصالح؟؟وبحثا عن إجابة، نرى العديد من المشاهد أمامنا تشكك في المصداقية، والكثير منها يشير إلى أفعال تناقض الأقوال!!

مثلاً الموقف المعلن من القضية الفلسطينية المؤيد للاستقلال، والموقف العملي الداعم للاحتلال!.. ففي الوقت الذي تباشر فيه الإدارات السياسية الرسمية والغربية عموما والأميركية خصوصا الصمت، وعلى عكس الإرادة الشعبية الشريفة المعارضة من قطاعات عريضة من شعوبهم، والصمت التام عن الجرائم اليومية الإسرائيلية من »إرهاب الدولة« من اغتيالات واعتقالات وهدم منازل الفلسطينيين،

بل وتمزيق الوطن الفلسطيني واستمرار الاستيطان غير المشروع، واستمرار إقامة الجدار العنصري المدان من محكمة العدل الدولية، واستمرار إسرائيل في رفض تطبيق القرارات الدولية. تقام الدنيا ولا تقعد، وتتوالى التصريحات والتحذيرات والإدانات من أعلى المستويات السياسية عندما يقوم فرد أو فصيل بالرد المحدود على واحد من هذه الاعتداءات،

بل وتتخذ من عملية واحدة ومحدودة، ما هي إلا رد فعل لاعتداءات متكررة وغير محدودة، ذريعة لاتهامات وتهديدات لدول عربية مجاورة وتصفية لحسابات لا صلة لها بهذه العمليات!

ومثال آخر مثير للتعجب هو الموقف من لبنان، من الإصرار المعلن على استقلال لبنان واستقرار لبنان، ورفض التدخل »الأجنبي« في شؤون لبنان والحرص الشديد على كشف »الحقيقة« في ملابسات جريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري،

بينما »الحقيقة« هي غير ذلك في كل ذلك الموقف الأميركي المعلن، لأن ما يكشف الزيف ويظهر اللامصداقية هو أن الأقوال تناقضها الأفعال، والأفعال تناقض المبادئ الدولية التي تدعي الدفاع عنها ومبادئ حقوق الإنسان التي تتشدق بها!

وبينما يحتفل لبنان بذكرى استقلاله هذه الأيام يكون للحديث عن الموقف الأميركي والفرنسي معا من معنى هذا الاستقلال ودلالاته،

وبنود القرار 1559 الذي قدمته الدولتان تكشف الحقيقة في الأهداف التي لم تعد خفية في الأجندتين الفرنسية والأميركية واللتين تفهمان استقلال لبنان فقط عن سوريا وليس باستقلال أراضيه المحتلة في مزارع شبعا عن إسرائيل!

ورفضهما »للتدخل الأجنبي« في شؤون لبنان يهدف فقط إلى الفصل بين الشعبين اللبناني والسوري، ويسعى لتكريس التدخل الفرنسي الأميركي في الشؤون الداخلية اللبنانية!

وفي حين يحمل القرار دعوة لتصفية المليشيات على الأرض اللبنانية متجاهلا أنها ليست ميليشيات حزبية، بل قوى للمقاومة الشعبية الوطنية اللبنانية ضد الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، ومتغافلا أسباب نشأتها ودواعي استمرار وجودها بتأييد شعبي واسع، وبتنسيق رسمي متفاهم، إنما يسعى في الحقيقة إلى الزج بلبنان إلى الحرب الأهلية وليس إلى الاستقلال.

وحينما لا نجد إلا الصمت المريب من هاتين الدولتين علي عمليات الاعتداءات والاختراقات شبه اليومية الجوية، والبرية، والبحرية الإسرائيلية ضد الأراضي اللبنانية، تقوم الدنيا ولا تريد لها باريس وواشنطن أن تقعد إذا ما قامت المقاومة الوطنية اللبنانية بالرد على عملية اعتداء واحدة،

وموقفهم الأخير في مناقشات مجلس الأمن بعد المواجهة المتصاعدة الأخيرة بين قوات حزب الله اللبناني وقوات الاحتلال الإسرائيلي لا تريد أن تدين العدوان ولا تريد أن تدين الاحتلال الإسرائيلي، بل الأغرب والكاشف للحقيقة أكثر أنها تدعو لإدانة المقاومة!

.. فعن أي حقوق إنسان يتحدثون؟

وعندما يعتقل المئات من المسلمين من كل الجنسيات باعتبارهم »إرهابيين أشراراً« علي إثر الغزو الأميركي لأفغانستان بعد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، وتكشف الصور والشهادات المؤلمة ما تعرضوا له من تعذيب غير إنساني وجرائم يعاقب عليها القانون،

وترفض واشنطن معاملتهم كأسرى حرب طبقا لاتفاقيات جنيف، وتمنع محاكمتهم، وتمنع زيارتهم على أي من المحامين وليست لديها تهم قانونية ضدهم، حتى ما إذا طلبت اللجنة الدولية القادمة من الأمم المتحدة الالتقاء بهم لتقصي أوضاعهم ترفض سلطات معتقل »غوانتانامو« السيئ السمعة زيارتهم!!

و تضطر السلطات الأميركية تحت ضغط الشرفاء في الأوساط القانونية والسياسية والإعلامية الأميركية والدولية إلى الإفراج عن العشرات منهم على دفعات، أفلا يعني هذا بوضوح براءتهم من أي اتهام ضدهم بالإرهاب، بما يعني بالتالي أن ما جرى ومازال يجري بحقهم من سوء معاملة رغم الإضراب المتواصل للمعتقلين هو بحد ذاته أبلغ دعوى قانونية ضد زيف الدعاوى الأميركية حول حقوق الإنسان؟

وعندما تتفجر المدن الفرنسية بالغضب الحارق من جراء تجاهل حقوق المهمشين من الأفارقة والعرب والمسلمين الفرنسيين، فعن أي حقوق للإنسان يتشدقون؟!

وبينما الوقائع والمشاهد لم تنته بعد يلح السؤال أليس »المعلم لنفسه أولى بالتقدير من المعلم للناس جميعا«؟؟

أعتقد ذلك.

كاتب وباحث سياسي

mamdoh77t@hotmail.com