لا التاريخ ينصف الإخوان المسلمين.. ولا الجغرافيا. لقد بدأ حسن البنا دعوته »بالحب والإخاء والتعارف«.. لكن.. مع نجاح الحركة وانتشارها أخذ مؤسسها ومرشدها »يعمل على تحويل جماعته من جماعة دينية إلى جماعة شبه عسكرية.. وانتقل من مرحلة التفاهم والجدل بالحسنى إلى مرحلة الاستعداد لتنفيذ الأهداف بالقوة.
كانت بداية الميل للعنف تكوين ما سمي ببراءة »فرق الرحلات«.. كونها في عام 1934 بعد أن أقره المؤتمر الثالث لمجلس شورى الإخوان.. بعد نحو خمس سنوات على إعلان الجماعة في عام 1928.. في ذلك المؤتمر قسمت العضوية إلى ثلاثة مستويات معلنة: الأخ المساعد.. الأخ المنتسب.. والأخ العضو..
وفي السر كانت مرتبة خاصة لا يصل إليها إلا الخاصة.. مرتبة الأخ المجاهد.. ولا يصل العضو إلى هذه المرتبة إلا إذا مر بمرحلة »فرق الرحلات«.. أو »الفرق العسكرية«.. وهي فرق للتدريبات البدنية انتهت إلى ما سمي فيما بعد بالتنظيم السري.. أو التنظيم الخاص.. أو التنظيم المسلح للإخوان.
كان يحكم أعضاء ذلك التنظيم شعار »الأمر والطاعة من غير بحث ولا مراجعة ولا شك ولا حرج«.. ثم عمل متواصل.. لا هوادة فيه في سبيل الوصول إلى الغاية.. ويشهد أنور السادات أن حسن البنا كان في وقت مبكر يجمع السلاح ويشتريه ويخزنه.. أما المسؤول الأول عن ذلك التنظيم فهو الصاغ (رائد) محمد لبيب الذي كان يطلق على رجاله »رجال الكتائب«.
وحتى يلعب التنظيم السري الأدوار المطلوبة منه كان لابد لها من جهاز مخابرات على جانب كبير من المهارة.. بحيث تكون القيادة على علم بكل صغيرة وكبيرة عن خصومها وأصدقائها على السواء.. مثل الأحزاب.. السفارات.. والجامعة.. والجمعيات.. والنقابات.. والوزارات.. ومحال الأجانب.. وشركات المصريين.. وحددت التعليمات والشروط الواجب توافرها في أفراد الجهاز وهي الصحة الجيدة والمهارة والمكر و»التذوب مع الذئاب«.
وتناولت طرق إعدادهم للتدريب على الكهرباء واللاسلكي والتصوير والاختزال والتمثيل والماكياج وتغيير الزي وقيادة وسائل المواصلات وتجهيز قنابل مولوتوف واستخدام المفرقعات والألغام والأسلحة النارية.. والأخطر من ذلك كله الفتوى بجواز قتل المسلمين الذين يمكن وصفهم بالكفر والخيانة.
وقد كان عدد أعضاء التنظيم السري في عام 1943 نحو ألفي عضو وصل في العام التالي إلى 15 ألف عضو وقبل حل الجماعة في عام 1948 وصل الرقم إلى 75 ألف عضو.. وجهز ذلك الجيش المسلح بالرؤوس المفكرة والعقول المدبرة والمال الوفير والأسلحة والمفرقعات ووسائل التنقل وأدوات التراسل والإذاعة بخلاف أوكار الاختباء في مختلف الجهات.. لأن شعار السيفين مع آية »وأعدو لهم ما استطعتم من قوة« كانا يدلان على أن العدو الذي تحاربه الجماعة في الداخل لا في الخارج.. العدو قريب.. لا بعيد.
وقد شهد بذلك عبدالمجيد حسن في قضية مقتل أحمد ماهر وقال: إن كل هذه القدرات والإمكانات العسكرية والمخابراتية لم تكن ضد البريطانيين وإنما ضد المصريين.. أما واقعة اغتيال أحمد ماهر فهي تتلخص في أن محمود العيسوي أطلق النار عليه في البهو الفرعوني داخل البرلمان يوم السبت 24 فبراير 1945 بعد إعلان الموافقة على دخول الحرب.. وأفتى بقتله الشيخ سيد سابق الذي وصف القتيل بأنه شهيد.. مثواه الجنة.
وحدث أن قبض على مجموعة من الإخوان بتهمة العمل السري في الاسكندرية.. وقدموا إلى المحاكمة.. وحكم عليهم القاضي أحمد الخازندار بأحكام وصفت بأنها قاسية وقورنت بحكمه على سفاح شهير هناك.. وهو ما حرض مجموعة أخرى من الإخوان بالانتقام منه..
فاغتالوه بالرصاص.. ولم تمر فترة طويلة من الوقت حتى عثر على سيارة جيب بها أوراق ومستندات وسجلات شخصية تثبت لأول مرة بما لا يدع مجالا للشك وجود تنظيم سري مسلح للجماعة التي أنكرت ذلك أكثر من عشرين سنة.. وكان رد الفعل وقوع اضطرابات في جامعة القاهرة انتهت بإلقاء قنبلة على رئيس شرطة العاصمة سليم زكي.. فقرر رئيس الحكومة في ذلك الوقت محمود فهمي النقراشي حل الجماعة.. ليلقى المصير نفسه.
ولم تجد الحكومة مفرا من مواجهة العنف بالعنف.. وتجاوز القانون بالخروج عليه.. فقطعت الكهرباء عن مكان يلقي فيه حسن البنا بخطاب مفتوح وأطلقت عليه النار.. وعندما قامت ثورة يوليو ذهب بعض رجالها إلى ضريحه وقرأوا الفاتحة على روحه..
وكان ذلك عربونا لمودة سياسية سرعان ما انقلبت إلى خصومة عسكرية.. وفي الساعة السابعة وخمس وخمسين دقيقة من مساء يوم الثلاثاء 26 أكتوبر 1945 أطلق الإخوان النار على جمال عبدالناصر في ذلك الحادث الشهير الذي يعرف بحادث المنشية.. وقبض على قيادات التنظيم وكان بينهم المرشد الحالي محمد مهدي عاكف.
وحاول الإخوان قتل جمال عبدالناصر بتجنيد أحد رجال حراسته الذي اعترف بما كان يدبر بعد أن سأله جمال عبدالناصر عن أسرته التي كان يعرف أفرادها بالاسم.. وكانت هناك مواجهة أصعب وأشد في عام 1965 انتهت بإعدام سيد قطب الذي وصف فيما بعد بأنه الأب الروحي لجماعات العنف الديني.
ورغم أن أنور السادات – الذي كان على علاقة قديمة بحسن البنا – فتح ذراعيه لقيادات التنظيم الهاربة خارج مصر طالبا منها العودة ورغم أنه استخدم شعارات الجماعة الدينية في مواجهة خصومه من اليساريين والناصريين ورغم أنه سمح لهم بحرية الدعوة من جديد إلا أن صداما سياسيا عنيفا وقع بينهما.. انتهى بقتل أنور السادات في حادث المنصة.. إن الرصاصات التي أطلقت على جمال عبدالناصر أصابته.
إن التاريخ لا ينصف تلك الجماعة السرية بكل ما في ذلك التاريخ من أحداث عنف لم ترتكب مثلها جماعة سياسية أخرى في مصر.. لكن.. القيادات الجديدة لها تصر على أنها طلقت العنف.. وخاصمته.. وأنها ستلعب بقوانين اللعبة الديمقراطية.. دون أن تتنازل عن شعارها الغامض وهو »الإسلام هو الحل«.. وهنا تأتي الجغرافيا لتجهز عليها.. فكل الذين رفعوا ذلك الشعار في الدول العربية والإسلامية انتهت إلى تجارب مؤلمة أساءت للإسلام أكثر مما أساءت لزعمائها.
لقد فشلت كل التجارب السياسية التي رفعت ذلك الشعار الذي لا يعبر إلا رؤية غائمة لمن يطلقونه.. لكنهم في الوقت نفسه يستغلون كل ما نتج عن سياسات حكومية خاطئة لجذب الناس إليهم.. ويمكن القول أنهم استغلوا خبرتهم العريقة في التنظيم في الوصول إلى عدد غير متوقع من المقاعد في البرلمان المصري تمهيدا للحصول على أغلبية مناسبة تجعلهم يصوتون على قانون جديد من كلمات بسيطة: »إلغاء الديمقراطية والحكم بالسلطة الدينية«.. فليس هناك دليل واحد في التاريخ ولا الجغرافيا يؤكد أنهم سيتصرفون غير ذلك.
كاتب مصري