لأنه لا يلقى التأييد الكافي لخطته بين أعضاء حزب الليكود، يخرج أرييل شارون ومعه مؤيدوه من الحزب. ثم يعلن شارون تكوين حزب جديد باسم »حزب المسؤولية الوطنية«.ويعقد شارون مشاورات مع حزب العمل..حزب المعارضة الرئيسي تسفر عن اتفاق مشترك على عقد انتخابات عامة مبكرة.وبعد أن يوافق الرئيس الإسرائيلي مبدئياً على إجراء الانتخابات يجري حل البرلمان وتحديد موعد العملية الانتخابية.
كل هذه الخطوات المصيرية تحدث الواحدة تلو الأخرى في سلاسة تامة، وهدوء دون وقوع أزمة أو خرق دستوري أو فوضى سياسية.. وفي حدود سيادة القانون.
فهل نتعلم من عدونا؟فلنعترف أولاً كعرب بأن إسرائيل دولة ديمقراطية من الدرجة الأولى.. ولا ينتقص من طبيعتها الديمقراطية، كونها دولة عنصرية كوطن لليهود وحدهم.
أرييل شارون لديه كرئيس حكومة منتخب خطة محددة مبنية على تصور معيَّن لمستقبل العلاقة بين الدولة اليهودية والشعب الفلسطيني. وبإيجاز غير مخل، فإن الهدف الاستراتيجي النهائي للخطة هو منع قيام دولة فلسطينية، بما يعني بقاء الشعب الفلسطيني تحت الاستعباد اليهودي والسيادة الإسرائيلية إلى الأبد.
هذه الخطة تلقى معارضة قوية من قسم كبير من حزب الليكود ومن قادة التطرف الديني ليس انطلاقاً من تعاطف مع الشعب الفلسطيني وحقه المصيري، وإنما على العكس، لأن المعارضين يرون في خطة شارون »تنازلاً« للفلسطينيين.
فبينما تقوم الخطة على ضم أجزاء من الأراضي الواقعة تحت الاحتلال إلى السيادة الإسرائيلية نهائياً، فإن المعارضين يرون ضم الأراضي المحتلة بصورة كاملة.لكن شارون لم يلجأ من أجل الانتصار لخطته إلى تدبير انقلاب عسكري. ولن يستطيع حتى لو أراد. بل ومن المستحيل أن يطرأ على ذهنه مجرد خاطر من هذا القبيل. فإسرائيل دولة نموذجية بمعايير المؤسسة الديمقراطية الراسخة.
هكذا تختلف الدولة اليهودية عن الدول العربية.ومناط هذا الاختلاف ليس تفوق القوة العسكرية بالدرجة الأولى لدى إسرائيل، وإنما هو التفوق الديمقراطي. فبينما لا يفرز الأسلوب الانقلابي للحكم سوى أردأ وأسوأ العناصر القيادية في المجتمع، فإن الخيار الحر، الذي يوفره النظام الديمقراطي أفضل ما في المجتمع من عناصر قيادية.
في الأنظمة الاستبدادية ينطلق تفكير الحاكم من اعتبارات أمنه الشخصي وتطلعاته الذاتية غير المشروعة.. بينما في النظام الديمقراطي الحر ــ حيث الشفافية والمحاسبة ـــ يضطر الحاكم على الدوام إلى استشعار المسؤولية الوطنية في مسلكه مستحضراً في ذهنه امتحان الجولة الانتخابية المقبلة.
ويبقى إذن السؤال: كيف تتحقق الديمقراطية في العالم العربي؟ هذا السؤال ليس هاجساً للطبقة الحاكمة الاستبدادية، لأنها ترى ـــ وهي على حق ـــ أنها ليست معنية به. لكن محنتنا في العالم العربي هي أن الشعوب نفسها لا ترى أنها معنية بالأمر!