ها قد حظينا بفرصة الاستماع لصوت ذلك الرجل الأسطوري: أبومصعب الزرقاوي بعد تفجيرات فنادق عمان الثلاثة.لكن من بإمكانه التأكيد ان الصوت الذي سمعناه هو فعلا صوت أبومصعب الزرقاوي؟. لا احد. هذه حقيقة يلتفت عنها الكثيرون، وفي المرات التي اطل فيها الزرقاوي على الشاشة، كان يطل عبر وسيط او بحجاب (ملثم).
لم نحظ سوى برؤية رجل ملثم وسط مجموعة اخرى من الرجال ينحرون بكل سادية الرهينة الأميركي نيكولاس بيرغ في مايو من العام الماضي. من بإمكانه التأكيد ان من قرأ ذلك البيان السمج وقام بنحر بيرغ المسكين هو فعلا أبومصعب الزرقاوي؟ لا احد.
وعندما تناثرت أشلاء عشرات من العراقيين في عاشوراء العام الماضي الموافق لمارس 2004 في كربلاء، قيل ان أبومصعب الزرقاوي هو الذي يقف وراء هذه الجريمة. والعام الماضي ايضا، أعلن ان الزرقاوي بايع بن لادن كزعيم له ونشأ اثر هذه المبايعة تنظيم عرف باسم »تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين«. من اعلن هذا؟.
عندما يتعلق الامر بأبومصعب الزرقاوي ينسى الكثيرون أمرا اساسيا هو ان كل إعلان عن تحرك للزرقاوي او بيان منسوب له او خبر عن افلاته من كمين او حملة تعقب للجيش الأميركي او العراقي له، يبثه الأميركيون. في الغالب خبراء في الجيش وضباط يعلنون انهم تحققوا فعلا من ان الشريط المنسوب للزرقاوي صحيح، أو الوثيقة المنسوبة له صحيحة.
لعبة الشرائط المسجلة تلك التي تصل الى المحطات الفضائية مع خالص التحيات باتت امرا مملا للغاية وتنطوي على اهانة للذكاء قليلا. ومع وافر الاحترام للزملاء القائمين على هذه المحطات، فوصول شريط الى المحطة لا يكشف عن قدرات استثنائية للمحطة في الوصول الى مواقع الحدث، بل ان المحطة اصبحت تستخدم كمنبر للدعاية، فالشريط يمكن ان يصل اليها عبر البريد.
لكن الزرقاوي مثل بن لادن يشوش بقوة على ايمان المسلمين. فرغم بشاعة المذابح التي يرتكبها بحق العراقيين، لا يزال يتمتع بالقدرة على مواصلة هذه الجرائم والمذابح بمبررات سياسية ذرائعية لا دينية.لم يعرف عن الزرقاوي انه كان من رجال الدين، لكن الموقع الرسمي لتنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين على شبكة الانترنت يقدمه باسم »فضيلة الشيخ«.
والاكثر انه يقدم كتبا ومؤلفات له، لكن احدا لم يتوقف في يوم ليمتحن آراء الزرقاوي والفتاوى التي يصدرها تماما مثلما هو الامر مع بن لادن والظواهري. ترى من بامكانه القيام بذلك؟انظارنا ستتجه نحو رجال الدين، المؤسسات الدينية في البلدان العربية، لكن هل سمعتم بشيء من هذا حتى الآن؟
لقد ترك هذا التردد في فحص وامتحان آراء وفتاوى الزرقاوي التي تمثل طورا متقدما في الانحراف عن السوية، ترك نوعا من الغطاء لاستمرار عمليات القتل الهجمي هذه. ولعل هذا هو الذي دفع صحيفة »نيويورك تايمز« الى ان تنحو باللائمة على »الإسلام السني« التي ترى انه »يعيش حالة حرب اهلية بين الاصوليين المجاهدين من جانب والاكثرية المعتدلة بشكل عام من جانب آخر«. (الصمت ازاء الإرهاب ـــ المستقبل مترجما عن نيويورك تايمز، 19 نوفمبر).
وهي الى هذا ترى ان »المشكل الحقيقي في ما تسميه »العالم الإسلامي السني« انه »ليست هناك مرجعية اخلاقية ضابطة«. لكن مشكلة مذابح الزرقاوي ونهجه ليست مشكلة عالمية بالاصل بل مشكلة تخصنا نحن بالدرجة الاولى.
فالزرقاوي يروج لنوع جديد من الجهاد يقوم على ذرائعية سياسية فاضحة: يبيح فيها قتل المسلمين، وهذا لا يشمل اعلانه الصريح حول استهداف الشيعة فحسب بل يشمل ايضا كل اولئك الذين يعملون في اجهزة الدولة العراقية.
وعدا عن استهدافه للمدنيين الاجانب، فان اباحة قتل المسلمين كافية بحد ذاتها لكي يثير كل اشكال التشويش في مفاهيم الايمان لدى المسلمين. فنحن امام دعوة صريحة للاحتراب الاهلي والمذهبي بين المسلمين، لكن احدا من المعنيين لا ينطق بحرف.
يزيد في فداحة هذا الاهمال، ان الاعتقاد السائد في اوساط الإسلاميين خصوصا وغيرهم ايضا ان المذابح التي تنسب للزرقاوي هدفها تشويه الإسلام. لكن هذه ليست سوى صيغة مترفقة للشك المستوطن حيال أسطورة الزرقاوي نفسه. فهذه الأسطورة تحيط بها ثقوب عدة والجزء الاكبر من عناصرها لم يمتحن بشكل حقيقي.
ان اكثر الإسلاميين يذهبون الى مدى ابعد الى حد اتهام الأميركيين صراحة بإدارة هذه اللعبة، لكن رغم هذا فان الصمت هو الغالب. والمؤسف اكثر ان هذا الصمت ينطوي في الجزء الاكبر منه على منطق ودوافع ذرائعية تقابل ذرائعية منطق الزرقاوي.
في نهاية المطاف، وعلى الرغم من كل هذا الجدل والغموض المحيط بالزرقاوي، فان المحصلة العملية لكل ما يقوم به تلح على ان »تشويه الإسلام« او تشويه حق المقاومة نفسه للعراقيين هو النتيجة الوحيدة الباقية. وهذا الصمت من قبل الإسلاميين والمؤسسات الدينية والزعماء الإسلاميين لا يفعل سوى ان يوفر الغطاء لاستمرار أسطورة الزرقاوي ونتائجها المدمرة.
* كاتب بحريني