لا يكاد يمر أسبوع دون أن يحمل معه تطورات تفاقم مشاكل الإدارة الأمريكية وتزيد منها، خاصة على الساحة العراقية، فالمشهد العراقي شهد مؤخرا سلسلة من التطورات السياسية التي طغت أهميتها حتى على الأعمال العسكرية، التي تقوم بها الجماعات المسلحة داخل العراق، والتي زادت حدتها مع اقتراب موعد الانتخابات العراقية.

ومن أبرز هذه التطورات دعوة مؤتمر المصالحة الوطنية العراقي الذي عقد مؤخرا في مصر بمشاركة أقرب حلفاء أمريكا إلى انسحاب القوات الأجنبية من العراق وفق جدول زمني محدد، واعترافه بوجود مقاومة شرعية للاحتلال في العراق، بل وإعلان الرئيس العراقي نفسه عن استعداده من حيث المبدأ على الأقل للقاء ممثلين عن المقاومة للتحاور معهم، هذا التطور على الساحة العراقية رافقه تراجع كبير في تأييد الشارع الأمريكي للحرب في العراق، فاق في سرعة انحداره التراجع الشعبي الأمريكي لتأييد الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في كل من كوريا وفيتنام.

وفوق هذا بدأ أعضاء مجلس الشيوخ والكونجرس يظهرون قلقهم بشكل علني من تطورات الحرب في العراق، بل إن بعض أبرز مؤيدي الحرب أعلنوا عن انتقادات حادة لطريقة تعاطي إدارة بوش مع الحرب في العراق، وطالب عضو الكونجرس المتشدد جون مورثا بانسحاب القوات الأمريكية من العراق بعد أن كان من أشد مؤيديها والداعين إليها.

هذه الضغوط وغيرها يبدو أنها بدأت تجعل الإدارة الأمريكية تفكر جديا بإحداث تغييرات حاسمة في سياستها في العراق في الفترة القصيرة المقبلة، وربما كان أهم المؤشرات على قرب حدوث تحول ما في تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس الأخيرة التي ألمحت فيها إلى أن الظروف المواتية لاحتمال بدء تخفيض عدد القوات الأمريكية في العراق ربما أصبحت قريبة.

ويرى المراقبون أن مثل هذه التصريحات قد تمهد لإعلان جدول زمني لبدء خفض عدد القوات الأمريكية في العراق بعد نهاية الانتخابات العراقية القادمة وتشكيل حكومة دائمة لها من الشرعية ما يمكنها من توقيع اتفاقات تعاون عسكري واقتصادي وأمني مع أمريكا بما يضمن للأخيرة مصالحها على المدى البعيد في المنطقة.

القوات الأمريكية في العراق إذاً قد تبدأ بالرحيل بعد فترة، لكن المهم أن تعود هذه القوات إلى قواعدها في الولايات المتحدة، لا أن تبحث عن مكان آخر "قريب" في المنطقة تنشر فيه الدمار والخراب.