في عددها الصادر يوم 15 نوفمبر الجاري، نشرت صحيفة »البايس« في صدر صفحتها الأولى تقريراً صحافياً مفصلاً حول نتائج تحقيق قام به الحرس الوطني الاسباني يتعلق برحلات جوية انطلقت أو وصلت الى مطار جزيرة مايوركايين يناير 2004 ويناير 2005 وحملت على متنها سجناء سريين كانت تنقلهم وكالة الاستخبارات الاميركية »سي آي إيه« من بلد الى آخر.

وعلى ضوء هذه المعلومات الموثقة، طلب المركز الوطني للاستخبارات في اسبانيا وبشكل رسمي من الوكالة الأميركية عدم استخدام المطارات الاسبانية لنقل السجناء، الذين يتم اعتقالهم بصورة غير قانونية حول العالم وينقلون الى سجون سرية منتشرة في بلدان لا يزال موقفها يتراوح بين انكار القضية برمتها غالباً وبين التحقيق فيها في بعض الحالات المعدودة على أصابع اليد الواحد، في حين تجري في هذه اللحظات في كل من إيطاليا وألمانيا تحقيقات قضائية مفتوحة حول المشاركة المفترضة لعملاء السي آي إيه في عمليات خطف غير قانونية جرت في مدن مختلفة من العالم.

قد يبدو هذا الخبر عادياً أو محلياً على أقل تقدير لو لم تكن القضية مرتبطة برحلات جوية تقوم بها طائرات عملاقة مخصصة لقطع مسافات بعيدة المدى وبالتالي فإن هذه الطائرات لا تقلع عادة إلا بهدف الهبوط في مطارات أخرى غير تلك التي انطلقت منها،

وهنا تأتي المفارقة الكبرى وذلك حين نعلم أن تقرير الصحيفة الاسبانية آنفة الذكر قد حدد وبدقة متناهية مواعيد إقلاع وهبوط تلك الطائرات مثلما حدد الوجهات القادمة منها والوجهات الذاهبة إليها، حيث تظهر أسماء مدن عديدة موزعة في بلدان متفرقة من العالم، ما زالت حكوماتها تلوذ بالصمت حيال القضية برمتها وكأن الأمر لا يعني سيادتها لا من قريب أو بعيد.

الغريب في الأمر هو أن السلطات الأمنية والقضائية الاسبانية قد أقامت الدنيا ولم تقعدها بعد لأن طائرات السي آي إيه استخدمت مطاراً اسبانياً في جزيرة نائية في البحر الأبيض المتوسط، في حين أقلعت تلك الطائرات نفسها أو هبطت في مطارات بعض العواصم العربية التي تتركز فيها شتى أنواع السلطات بما فيها مؤسسة الرئاسة أو المؤسسة الملكية.

مما يستدعي الى الذهن وبصورة مشبعة بالبداهة أسئلة لم تعد تخفى على أحد: ألا يستدعي هذا الوضع تحركا ما من قبل الجهات المعنية؟ ألا تستدعي هذه المعلومات المقدمة دون عناء فتح تحقيق في كل عاصمة من هذه العواصم؟ أليست السيادة هي السيادة في جميع دساتير بلدان العالم؟

لكن أليس من الحكمة أيضاً أن يقول قائل: دعك من تضخيم القضية ياصديقي وانظر الى جوانب أكثر أهمية وعندها ستجد أنها مجرد غيض من فيض من بحر الاستباحات، الذي يغطي يابسة هذا الجزء من العالم، حيث بات الصمت عنوان المرحلة بعد أن اسكتت الأصوات الشجية من مهدها الى لحدها وساد جعير المحاباة والسياسات المتراضية.

وقد يتساءل آخر، لكن هل كنا غافلين حين تلقينا الدرس بأن الجزئيات تكوِّن الكل وبأن الكل تُكِّونه الجزئيات، حيث لا تختلف التفسيرات إلا على أسبقية هذا على ذاك أو العكس فقط. الكل هنا هو الوطن والأجزاء تأتي لاحقاً معبر عنها في الأنظمة والقوانين والحرص على احترامها وابقائها بعيدة عن عبث العابثين، الذين إن سادوا، فاننا والوطن لا ريب ضائعون.